عندي اقتراح للحكومة بإقامة نصب تذكاري للراكب المجهول ـ على وزن الجندي المجهول ـ تخليدا لذكرى شهداء معارك الاسفلت الذين سقطوا تحت سنابك عجلات الميكروباص والاتوبيس على طرق مصر من السلوم إلى اسوان. ومعارك الاسفلت لاتقل خطورة أو ضراوة عن معارك الحرب , وهي بدأت في بر مصر على استحياء وارقام الشهداء كانت قليلة, ولكن بعد اختراع الميكروباص وازدحام الطرق بمختلف انواع آلات الجر, ارتفع عدد القتلى الى ارقام فلكية, وبعض الحوادث على طريق الصعيد وعلى طريق الساحل الشمالي وعلى بعض طرق الدلتا يصل عدد القتلى فيها الى عشرين قتيلا. وهناك عشرات الاسباب التي ادت الى هذه النتائج المؤسفة. بادىء ذي بدء على رأسها الشيخ طاهر مدرس اللغة العربية. اننا جميعا ولسوء الحظ لم نتعلم شيئاً من آداب المرور, بينما هي مادة اساسية في مدارس الغرب. ثانيا.. أغلب سائقي الميكروباص كانوا في الاصل عربجية يسوقون عربات كارو, ونفس الشيء ينطبق على سائقي السيارات النصف نقل. ثالثا: هناك سببان فقط يدفعان الانسان الى عمل الصح.. الايمان والردع. الايمان بالله.. الايمان بمبدأ .. الايمان بمذهب, فإذا لم يكن في صدر البني آدم أي أثر للايمان بأي شيء, فلابد من قانون يردعه, بشرط ان يجري تطبيقه على الجميع, من أول الاسطى السواق إلى سعادة البيه الذي يعشق السواقة. والعبدلله يرجوك ـ عزيزي القارىء ـ ان تلقي نظرات فاحصة على الشارع المصري وستضرب رأسك بدبشة من هول ما ترى. الميكروباص يتوقف في أي مكان بالشارع, على اليمين يحدث أحياناً على الشمال مفيش مانع في نهر الطريق كله ماشي, وهو يتوقف لانزال ركاب أو لأخذ ركاب جدد. فإذا لفت احدهم نظر السائق سب له الأخضرين, فإذا تطور الامر بينهما إلى شجار.. فياداهية دقي, سيتوقف جميع سائقي بني ميكروباص, وستنشب معارك فشر حرب الباسوس وسينتهي المواطن الذي اعترض على سرير في مستشفى أم المصريين أو مستشفى أحمد ماهر. وفي البلاد التي تعيش في بلهنية المرور, والتي يتوقف فيها السائقون عند اشارة المرور الحمراء في الثالثة بعد منتصف الليل مع عدم وجود عسكري مرور وعدم وجود زحام, هل السبب تربية من الصغر؟ هل هو أدب طبيعي عند الناس؟ هل هو خوف في العقاب؟ انه كل هذه الاسباب, والخوف من العتاب على رأسها, لأن من يكسر اشارة المرور الحمراء في أي وقت سيندم على اليوم الذي ولدته فيه أمه, السجن سيكون مصيره ولو كان ابن جلالة الملكة أو لو كان هو رئيس الوزراء نفسه, والغرامة ستكسر ظهره ولو كان هو الملياردير محمد الفايد نفسه. أذكر أنني كنت في لندن منذ ثلاثين عاما وفي سيارة يقودها محافظ اقليم في وجه بحري وكان من الضباط الاحرار, والسيارة نفسها كانت تحمل ارقاما دبلوماسية, وحدث ان السيد المحافظ الذي يقود السيارة لأول مرة في لندن لم يلحظ الاشارة الحمراء, فتوقف عن السير ولكن بعد أن تجاوز الخط الذي كان يجب ان نتوقف عنده, ولسوء حظنا انشقت الأرض عن سيارة شرطة فوقفت خلفنا مباشرة وجاء منها شرطي بريطاني وسأل عن اوراقنا, ولما لم يكن معنا إلا أوراق اثبات شخصية, أمرنا في لهجة مهذبة بأن نصعد بالسيارة على الرصيف المجاور وبالفعل صعدنا على الرصيف وجاء الشرطي والتقط مفاتيح السيارة, واحتفظ بها في جيبه, وتركنا على الرصيف وانصرف الى بعض اعماله, ولما انتهى منها كان قد مر علينا وقت طويل ونحن نقف على الرصيف كالشيخ الذي انقطع نذره. وعندما عاد الشرطي الينا, القى علينا محاضرة في آداب السواقة, وفي فوائد احترام الاشارة لان احترامها يؤدي إلى انقاذ ارواح كثيرة, وعدم احترامها يؤدي الى موت بعض الناس في غير قضية وفي غير معركة. ثم فجأة قال لنا.. انتم من مصر, اجبناه.. نعم. قال بلهجة حادة جدا, هل عندكم شوارع؟ أجبناه نعم, قال وهل عندكم اشارات مرور؟ وكان جوابنا بالايجاب. قال وهل تستخدمون في الاشارة الألوان الثلاثة الاحمر والاصفر والازرق؟ قلنا.. بكل تأكيد, قال وهل تتوقفون عند رؤية الاشارة الحمراء.. قلنا طبعا, عاد يسألنا.. ولماذا لم تتوقفوا عند رؤيتها هنا؟ سكتنا ولكنه لم يسكت وعلى مدى نصف ساعة أخرى راح يحكي لنا عن حوادث وقعت بسبب خطأ بسيط مثل هذا, وعندما انتهى من حديثه ومد يديه الينا بالمفاتيح كانت ساعة كاملة قد مضت منذ أن امرنا بالصعود على الرصيف. وعندما داس صديقي المحافظ على البنزين وانطلقنا بالسيارة, نفخ المحافظ من ضيقه وقال.. لو في مصر ده.. كنت ضربته بالجزمة!! ولم أتمالك نفسي فقلت له.. وعشان كده ح نفضل متأخرين على طول وسنتأخر أكثر طالما كانت مخالفة كسر الاشارة 2 جنيه أو خمسة جنيهات وغرامة الوقوف في الممنوع خمس برايز والاعتداء على عسكري المرور خمسة جنيهات والقيادة بدون رخصة قيادة ثلاثة جنيهات وقتل عدة طالبات بالجامعة ثلاث سنوات وقيادة السيارة تحت تأثير الخمر اربعة جنيهات. مع أن الوقوف في الممنوع في بلاد أخرى في اوروبا نتيجته الكلبشة وحمل السيارة الى جراج حكومي مجهول وتغريم صاحبها 90 جنيها استرلينيا ثم تحديد موعد له للذهاب الى الجراج واستلام السيارة, فإذا كان الموعد المحدد هو الساعة الخامسة تركوا الزبون هناك ملطوعا الى جوار السيارة المكلبشة حتى العاشرة مساء حتى يفيض به الكيل فلا يعود اليها مرة أخرى, واقل غرامة هي 30 جنيها استرلينيا فإذا تأخر الزبون في الدفع اصبحت 60 جنيهاً وهلم جرا.. تذكرت هذا كله يوم الاحد الماضي عندما اتصلت بي ابنتي أمل الموظفة ببنك قناة السويس, وابلغتني بأن حادثاً وقع لسيارة زوجها ومعهما الحاجة أم اكرم المريضة بهشاشة العظام وعندما رأيت السيارة ادركت اننا مازلنا نعيش في عصر العربيات الكارو سيارة تجري مسرعة في الاتجاد المضاد, عبرت الرصيف الذي يتوسط الشارع واصطدمت بسيارة صهري الاستاذ سامي هويدي المحاسب ببنك قناة السويس والضربة كأنها من صاروخ روسي موجه بحيث شطرت السيارة نصفين ومع ذلك حمدت الله لأن الخسائر طفيفة بالنسبة لحجم الحادث. كسر في قدم سامي وعدة كدمات في الصدر والوجه وجرح في الانف وعدة كدمات في جسم أمل وفي صدرها, اما أم اكرم فقد خرجت من السيارة سليمة بأمر ربي.. أما السيارة نفسها فقد ضاعت والحمدلله على الصحة والجدعنة.. وقلت في ستين داهية السيارة مادام الركاب في احسن حال. والسؤال الان هل نحن في حاجة الى قوانين لضبط الشارع المصري؟ وبسرعة قبل أن نضطر الى انشاء مقابر لشهداء حرب الاسفلت الثانية على وزن الحرب العالمية الثانية. اعتقد أننا في حاجة الى قانون ردع حقيقي لضبط الحركة على الاسفلت, والا سنضطر بعد قليل الى شجب الاسفلت واعلان وقوفنا الى جانب شهداء الاسفلت, والف رحمة ونور على الذين سقطوا على جميع الطرق في بر مصر!