في العمل السياسي لا يوجد اصدقاء دائمون ولا اعداء دائمون فكثيرا ما تنفرط الصداقات وتتآكل العداوات. وهذا مما يعطي للعمل السياسي طبيعته الدينامية والمرحلية, ويجعل من (التحالفات المؤقتة) احدى اروج ادوات العمل السياسي, وإلا فإن الذي يصر على عقد الصداقات الدائمة , او تأجيج الخصومات الدائمة فهو الاولى بأن يخسر على الدوام. عقد التحالفات وان كان ضرورة الا انه ليس بالعملية السهلة فالتحالفات لا تنعقد ضربة لازب مثلما ان التخالفات لا تندلع ضربة لازب, ان التحالفات الناجحة لا تنعقد إلا بعد الاجابة عن اسئلة اجبارية كثيرة, تحتاج الى غير قليل من المعلومات وإلى جهد ذهني شديد التركيز. وجمع المعلومات السياسية ليس كجمع المعلومات في اي مجال آخر, فهنا يكثر التوجس والارتياب والحذر واذا ما جمعت المعلومات من ذلك المنظور فقد لا يغدو لها اي جدوى لأن منظور السخط لا يرى ولا يبدى الا المساوىء وحسب. وهكذا فقد تعظم في عين الرائي اخطار فريق سياسي لا يكون حقيقة بذلك الحجم المهول, انما ضخمها التوجس والارتياب, وبذلك تضعف فرص التحالف والتعاون معه. تجربة عربية امريكية حدثني سياسي عربي مرموق, يعمل ناشطا في اروقة الحزب الجمهوري الامريكي, هو الاستاذ بسام رماحة قائلا ان بعض غلاة الجمهوريين كانوا يرتابون فيه, وفي دوافعه, وبعضهم كان يحاول ان يثبطه ويسخر منه. ولكن في المؤتمر العام الاخير للحزب الذي انعقد بمدينة سانت لويس, كبرى حواضر ولاية ميزوري, تمكن الاستاذ بسام من ان ينتزع فرصة نادرة, ليلقي خطابا في ذلك المؤتمر, يكشف فيه عن جوهر افكاره وعن اسباب التقائه بافكار وبرامج الجمهوريين. وقوف الاستاذ بسام على منصة الخطابة كان فرصة اخرى للمتشككين فيه, من دوائر الحزب, وعلى رأسهم قطبه اليميني الاقصى (لمبو) ليطلقوا الاعتراضات والتعليقات الساخرة, لينالوا من رباطة جأشه, ولكن (بسام) ظل باسما أريحيا, يمتص السخريات ويصب افكاره في روع الحضور. كان الاستاذ (لمبو) قد بدأ يجتر ما وعيته ذاكرته عن الاسلام من مجموعة التلفيقات المعروفة من احاديث المستشرقين والمبشرين والاعلاميين وبعض دعاة حقوق الانسان المطموسين, عن ظلم الاسلام للمرأة واضطهاد المسلمين لها.. وعن شيوع الدكتاتورية والتخلف والتقاليد السقيمة في العالم العربي.. والخ تلك الاسطوانات المشروخة.. ولم يفاجأ بسام بشيء من ذلك بل كان متحسبا له كله, وآخذا اهبته لمواجهته, فقلب بذلك الموقف الصدامي الى موقف وفاق عجيب. التقط الاستاذ بسام موضوع المرأة والاسرة العربية فجعله موضوع الحديث ـ ذكر للحضور ان هذا الشأن بالذات هو ما يربطه بالحزب الجمهوري, الذي اصبح يعلي راية (الاسرة) على اية راية اخرى, واصبح اكبر همه اصلاح الاخلاق, وتدارك الاوضاع الاجتماعية الامريكية, باعتبار ان تلك الاوضاع لا تنفصل عن الاوضاع السياسية بحال, بل ان الاوضاع السياسية, ما شيدت الا لتصون الاوضاع الاجتماعية وتحفظها وتعمل على ترقيتها وتطويرها ورفاهيتها وحدثهم أن (الاسرة) تبقى هي الركيزة الاولى للحياة وان اداءها من رئاسة مصغرة, وتفان, ودأب, واخلاص في الاداء, هو الانموذج الذي ينبغي ان يلهم آداء المؤسسات السياسية وان يعطيها المثل والقيم التي ترشد آداءها العام. حدث بسام جمهوره قائلا ان ما تسخرون منه هو في الحقيقة ما تنشدونه, وما تحتاجون اليه, فان العرب يحافظون على الاسرة, انطلاقا من هذا المفهوم التقدمي, لا انسياقا بمفاهيم متأخرة بائدة كما تظنون, ونحن العرب ما قدمنا الى الحزب الجمهوري, الا لأن لنا ناشئة هنا في هذه الديار, نخشى ان يذوبوا في تيار الانحلال الذي تشتكون ونشتكي منه معا, ولا تجدي الجهود المنفردة في مقاومته والتخلص من قبضته, لذا قررنا ان نلتحم بأي جهود جادة مخلصة تسعى بشكل مؤسس لمقاومته, والتمكن منه واصلاحه وتهذيبه. ترشيح عربي لم يكتف الحضور, ومن بينهم (لمبو) نفسه, بالتصفيق الحار لذلك اللون من التفكير, بل قرروا امرا آخر. قرروا ان يرشحوا بسام رماحة, عن الحزب الجمهوري, نائبا عنهم في انتخابات احدى المقاطعات بمدينة سانت لويس, هي مقاطعة (جيفرسون) وذهل بسام, لانه لم يكن يسعى لذلك, وحاول الاعتذار والتملص بكل سبيل. بل اعتذر لهم بأن لغته الانجليزية رغم انها طليقة, الا أنها لا يزال يلوح عليها انها لغة امريكي قادم, فقالوا له ان كل ذلك لا يهم, انما المهم اليوم والذي لا يمكن ان نفرط فيه ابدا, هو اننا قد وجدنا شخصا يؤمن بافكارنا اكثر منا, وهذا كسب جديد لابد ان نضيفه, الى قوتنا السياسية, ونستثمره الى الحد الاقصى. وبالفعل فورا انعقد امرهم على ترشيح بسام, الذي انخرط فورا في حملته الانتخابية, بتعضيد الجاليتين العربية والاسلامية, وقد سر الجمهوريون كثيرا بذلك السند الجديد الذي سيجدونه من اصوات عشرات الآلاف من العرب والمسلمين بتلك الدائرة, مما يمكنهم من منازلة الديمقراطيين بقوة جديدة.. الدرس المستفاد لا تزال معركة بسام مستمرة, وقد حدثني مداعبا عندما التقيته قبل ايام بأن احدا لم يعر موضوع لغته الذي كان يحذر منه اي اهتمام وانه في كل خطاب جماهيري يلقيه يجد اصغاء متزايدا, فقلت له ان تلك هي طبيعة العقل الامريكي البراجماتيكي المفتوح, الذي يؤمن بالجوهر دون الشكل. كما هنأته على حصافته البادية في انه حقق ذلك الكسب للجالية العربية, وحسن صورتها, ولم يكن بحاجة لان اذكره بتجنب نقاط التخالف, لانه تجنبها بشكل كامل, وقد لاحظ ذلك الجمهوريون فيه باعجاب كبير. لقد جمع الجمهوريون افكارهم عن الاسلام وعن العرب وربما عن بسام نفسه من تراث قصص (ألف ليلة وليلة) التي هي كل ما يعرفونه عن العرب والاسلام, ولكن بسام اعطاهم معلومات حية جديدة مغايرة نسفت الافكار السابقة وكسحتها, ومهدت الطريق للتفاهم والتعاون والتحالف, وهو نفسه قد جمع معلوماته عن الجمهوريين عن قرب, بعيدا عن نظرية المؤامرة ونظرة اليأس من الاصلاح, والديماغوجيات الكثيرة عن سيطرة اليهود بالكامل على ذلك الحزب, واستحالة التعامل معه. اما موضوع التخالف فقد كان مؤجلا ولم يبدأ به بسام لان عربا كثيرين يحاولون دخول الميدان السياسي الحزبي الامريكي, ويبدأون عملهم بمنازلة النفوذ الاسرائىلي هناك, وكأن ذلك هو الواجب العملي الاول والوحيد.. ويكون مصيرهم التصفية السريعة, لان ما من احد يرغب في التعامل معهم في ذلك البند طالما هو يتلقى عون الاسرائيليين.. ان الامريكيين لا يهتمون في المجال السياسي بما هو عادل, او غير عادل, حتى تجادلهم فلسفيا في ذلك, وانما يهتمون بما هو ممكن او غير ممكن, وبما هو نافع او غير نافع, وفي مجال الممكن والنافع يمكن للسياسيين العرب في امريكا, ان يحققوا الكثير.