في حلبة التنافس السياسي داخل فرنسا بوسع رئيس الوزراء الفرنسي ليونيل جوسبان وحزبه (الاشتراكي) الشريك الاصغر في الائتلاف السلطوي ان يطمئن الى مراهنته على دعم النفوذ اليهودي في فرنسا لحزبه وما وراء ذلك النفوذ من حركة العولمة الصهيونية . لكن للأسف ليس بوسع الرئيس جاك شيراك مع حزبه الديجولي المراهنة على دعم عربي موثوق به مع أن العرب في موقف افضل من اسرائىل والحركة اليهودية العالمية في استقطاب التوجه الخارجي للسياسة الفرنسية في كل عهد. أجل.. ان الحزب الديجولي وقوى سياسية اخرى مستقلة وشخصيات متميزة في فرنسا تتعاطف مع العرب وقضاياهم الاساسية لكن هذه القوى والشخصيات النافذة تظل غير واثقة في مدى استعداد الدول العربية للدخول في شراكة استراتيجية ثابتة مع فرنسا يمكن من ناحية أن تقوي حجة هذه القوى أمام جمهرة الناخبين الفرنسيين وتمنحها جرأة موضوعية للنهوض الشجاع امام الوجود اليهودي الشرس في فرنسا. ونذكر ان الرئيس شيراك قام قبل عامين بجولة في الدول العربية طرح خلالها ـ بكل ما أوتي من قوة المحاججة السياسية الرصينة ـ هذه الشراكة الاستراتيجية. لكن شيراك لم يظفر بأي تجاوب من قادة العرب. وهذه هي المعضلة: فالعرب رهنوا ارادتهم السياسية للولايات المتحدة حتى صار بعضهم رهن اسرائىل وواشنطن في آن معا. وبما أن جوهر الشراكة الاستراتيجية التي بشر بها شيراك هو ايضا بالضرورة دعوة الى استقلالية التحرك المشترك على اساس المصالح المشتركة ومن أجل منافع مشتركة فإن اي استجابة عربية لها تتطلب بالضرورة تحرراً كاملا من الاجندة الامريكية. وفي الحقيقة ان ما يعنيه شيراك وكافة القوى القومية الاستقلالية في فرنسا. بل وفي اوروبا قاطبة دون أن يستطيعوا ركوب مخاطرة الجهر به هو خلق كتلة اوروبية ـ عربية تؤدي لتحرير ساحلي البحر الابيض من السيطرة الرأسمالية اليهودية التي تتخذ من الولايات المتحدة حصاناً (طرواديا) ومن اسرائيل رأس حربة. لكن المؤسف أن دوائر الحكم العربية تعتبر مثل هذا الكلام ضربا من العبث والسفه. لقد رأينا في الايام القلائل الاخيرة صورتين متناقضتين لفرنسا: صورة فرنسا الشائهة كما يريدها اليهود والقوى الفرنسية التابعة لهم, الحزب (الاشتراكي) والحزب الشيوعي وحزب (الخضر) .. وصورة فرنسا الاستقلالية القومية كما يريدها الديجوليون. على شاشة الدنيا السياسية تبلورت صورة فرنسا اليهودية عندما شجب رئيس الوزراء الفرنسي اليهودي جوسبان من داخل اسرائيل المقاومة اللبنانية ضد الاحتلال الاسرائىلي ونعتها بالارهاب, واهتزت دوائر السلطة في باريس حينما صدر رد فعل غاضب من الرئيس الديجولي شيراك.. فظهرت الصورة الثانية. لقد شدد شيراك في بيانه الرسمي الفوري على أن فرنسا تتمتع في الشرق الأوسط بسمعة جيدة تقوم على الحياد. ثم قال ان اعادة النظر في هذا الحياد يعني (الاساءة إلى صدقية السياسة الخارجية لفرنسا وقدرتها على التحرك من أجل السلام) . لكن بالنظر الى التخاذل العربي فإنه ليس بوسع شيراك ان يذهب أبعد من ذلك فيجهر برأيه في النفوذ اليهودي التدميري داخل فرنسا. ولو وقع هذا الحدث المزدوج في ستينيات القرن الماضي لاختلف الأمر. حينئذ كان المد القومي في ذروته في كل من العالم العربي وفرنسا. وفي هذا السياق يذكر التاريخ للرئيس شارل ديجول أنه نهض عام 1968 فأعلن بملء فمه: (اليهود أمة تسلطية) . والسؤال الحائر المتبقي يصبح إذن: هل يعيد التاريخ نفسه؟