يرى الاستراتيجيون الاسرائيليون انه في وضع تتمتع فيه اسرائيل بالاحتكار النووي, سيكون من شأن التحول الى استراتيجية الردع النووي العلني ان تتحقق مصداقية اعلى لهذا الردع وبما يمنع العرب من فرض تحديات تهدد الامن الاسرائيلي وحتى مع افتراض ان العرب سيلجأون الى الخيار النووي في حالة فشل اسرائيل في منع امتلاكهم لهذا السلاح فانه في الفترة الزمنية الواقعة بين تبني اسرائىل استراتيجية ردع نووي علني وامتلاك اي دولة عربية لسلاح نووي فان الرادع النووي العلني لاسرائيل سيمنح اسرائيل ثلاثة ضمانات امنية كالآتي: أ) القدرة على التهديد بانتقام لا يمكن للعرب تحمله كرد على تهديداتهم للوجود او للامن الاسرائىلي. تنبع هذه القدرة من قوة التدمير النووي الضخمة التي تملكها اسرائيل وضعف المواقف العسكري العربي في المقابل, خصوصا مع تعرض الكثير من الاهداف العربية ذات القيمة الاستراتيجية للضربات النووية الاسرائيلية, حيث تتجمع في معظم الدول العربية هذه الاهداف في مناطق لا تزيد على 3 ـ 5 مناطق حيوية في كل دولة عربية وبتدمير هذه الاهداف الحيوية ـ تكون معظم مقومات الحياة في الدول العربية قد قضي عليها, خصوصا مع ارتباط اهداف التنمية العربية اقتصاديا واجتماعيا بهذه الاهداف مثل هذا بالاضافة الى ان تدمير هذه الاهداف سيعني ضمنيا القضاء على 20 ـ 30% من السكان. ـ وقد حسبت اسرائيل اجمالي الاهداف الحيوية في الدول العربية فوجدتها 25 ـ 30 هدفاً يتطلب تدميرها ما بين 30 40 قنبلة نووية بقدرة 20 ـ 60 كيلو/ طن لكل هدف. وما لدى اسرائيل من اسلحة نووية حاليا يعتبر اكثر من كاف لتحقيق هذا الهدف. وفي الرؤية الاسرائيلية ان اي دولة عربية ستشارك بأي جهد عسكري او سياسي او اقتصادي في الهجوم ضدها بأي نسبة من المشاركة لن تتجاهل امكانية تعرضها لهجوم نووي اسرائىلي وهو ما يضاعف من قيمة الردع النفسي للسلاح النووي الاسرائيلي. ـ وفي مواجهة المشاكل الممكن ان تواجهها المقاتلات الاسرائيلية في ايصال ما تحمله من قنابل نووية الى اهدافها في الدول العربية, بسبب ما تملكه من انظمة دفاع جوي قوية, فمن المنتظر ان تنوع اسرائىل وسائل ايصال اسلحتها النووية لتشمل الصواريخ (أريحا) وصواريخ اخرى كروز, والقادرة على تجنب وسائل الدفاع الجوي العربية, وبالاضافة لاستخدام اسرائيل وسائل متنوعة لتحييد انظمة الدفاع الجوي والصاروخي العربية. ب) فرض قيود على القرارات السياسية والعسكرية العربية ـ يفترض الاستراتيجيون الاسرائىليون انه رغم ادراك معظم الزعماء العرب لحجم العقاب النووي الممكن ان تتعرض له بلدانهم من قبل اسرائيل في حالة تهديد امنها, الا ان بعض الزعماء العرب قد اظهروا عدم الاهتمام بذلك من منظور قدرة الدول العربية على امتصاص اثار الضربات النووية الاسرائيلية, ومن ثم القدرة على توجيه الضربة الثانية الانتقامية ضد اسرائىل وبالتالي فان ادراك اسرائيل في الرؤية العربية لمخاطر التدمير المتبادل وعدم قدرتها على تحمل ضربة واحدة بأسلحة دمار شامل غير نووية او نووية في عمقها, من الممكن ان يمنع اسرائىل عن تهديد الدول العربية نوويا. الا ان هؤلاء الاستراتيجيين الاسرائيليين يميلون للقول بانه في حالة التحرك الى الردع النووي العلني, ستسود في دوائر صنع القرار في الدول العربية نظرية (الثمن الباهظ للعقاب النووي الاسرائيلي) وبذلك يتحقق هدف الردع وهو فرض قيود على القرارات السياسية والعسكرية العربية وهو ما يفرض على اسرائيل بالتالي ان تنمي الاحساس عند الزعامات العربية بخطورة العقاب النووي الاسرائىلي الذي يمكن ان يؤدي الى ابادة ربع سكان اي دولة عربية تتحدى اسرائيل وتكبيدها خسائر مادية من الممكن ان تعيدها عشرات السنين الى الوراء. لذلك يحرص الاستراتيجيون في اسرائىل على ان يبلغوا رسالة الردع النووي واضحة وكاملة وخالية من الغموض, ومستوفية لشروط اسرائىل لاستخدام اسلحتها النووية ـ وهو ما يعرف بالخطوط الحمراء حتى لا يكون هناك التباس في الادراك العربي لهذا الامر. جـ) توفير عنصر الاستقرار لقوة الردع النووي الاسرائيلية ـ تقاس قدرة الاستقرار للرادع النووي بمدى الحماية والحصانة المتوفرة للاسلحة والمنشآت النووية الاسرائيلية ضد احتمالات تلقي ضربة اولى معادية. بدءا بالاستعداد المستمر لاجهاض اي محاولة عربية لتبني برامج نووية على ان يكون هذا الاستعداد من قبل اسرائىل مبكرا قدر الامكان او في المراحل الحرجة من البرامج النووية العربية وبما يمكن ان يحول مثل هذه البرامج الى كارثة للدولة العربية التي تقدم عليها. ـ اما اذا قررت بعض الدول العربية ان توجه ضربة وقائية نووية او غير نووية باسلحة دمار شامل اخرى ضد المنشآت النووية الاسرائيلية.. مثل هجمات صاروخية او فدائية, او غارات جوية فان الاجراءات المضادة للصواريخ والمقاتلات العربية ينبغي ان تتصدى لهذه الهجمات وتمنع او تقلل تأثيراتها الى ادنى حد, بجانب الاجراءات المكثفة التي تتخذها اسرائيل لتأمين منشآتها النووية وتحصينها بالقدر الذي يوفر لها الحماية ضد اية ضربات بالاضافة لتنويع القدرات الاسرائىلية على شن الضربة الثانية, سواء بالقاذفات المقاتلة او بالصواريخ اريحا من منصات متحركة او من غواصات. اصحاب (النهاية الصغرى) و (النهاية العظمى) في استخدام الاسلحة النووية الاسرائىلية ـ يوجد في اسرائيل مدرستان في مجال استخدام اسلحتها النووية اشار لهما الجنرال دياهو شفاط هار كابي في كتابه (حرب نووية ام سلام) وهما على النحو التالي: أ) المدرسة الاولى (اصحاب النهاية الصغرى): يرى اصحاب هذه المدرسة انه لا داعي لاستخدام اعداد كثيرة من الاسلحة النووية لاحداث تدمير كامل او شبه كامل للخصم, حيث يكفي لتحقيق مصداقية الردع وكسر ارادة الخصم واجباره على التسليم بالمطالب الاسرائيلية ان توجه ضده ضربة واحدة او ضربتان نوويتان باسلحة تكتيكية صغيرة العيار (1 ـ 5 كيلوطن) لكي تحدث الاثر نفسه المطلوب في قيادات الخصم ومن ميزات هذا الاستخدام انه يفتح الباب امام الخصم لبدء الحوار وحتى لا يكون رد فعله الناتج عن حالة اليأس التي قد تصيبه عنيفا ومدمرا في حالة توجيه ضربات نووية كثيفة تسبب الدمار الشامل في مدنه واهدافه الحيوية. ب) المدرسة الثانية (اصحاب النهاية العظمى): يرى اصحاب هذه المدرسة ضرورة عدم تجاهل افتراض فشل الردع اذا ما استخدمت الاسلحة النووية في اضيق نطاق خصوصا مع استعداد الخصم ـ وهم الدول العربية ـ تقبل حجم من الخسائر ذي مغزى وهو ما قد يدفعه الى الاستمرار في الحرب رغم خسائره وقيامه برد فعل عنيف بكل ما تبقى لديه من اسلحة دمار شامل ضد اسرائيل في الضربة الثانية, والتي من المؤكد انها ستكبدها خسائر بشرية ومادية جسيمة لذلك يفضل اصحاب هذه المدرسة ان يكون استخدام اسرائيل لاسلحتها النووية في الضربة الاولى قويا وبكل ما لديها من امكانات بحيث تحدث تدميرا شاملا في جميع مقومات القوة العسكرية لخصومها وبما يعجزهم تماما عن توجيه ضربة ثانية ضد اسرائيل, ويستند اصحاب هذه المدرسة الى ما جاء في كتاب الحرب النووية الحرارية الذي وضعه كاهان وجدد فيه وجهة نظره فيما اطلق عليه (الابتزاز النووي) والذي يبدأ بتوجيه الضربة الاولى, ثم توجيه انذار للطرف الاخر بأنه اذا قام برد فعل بما تبقى لديه من قوات في شكل ضربة ثانية فسوف تتعرض مدنه وكافة اهدافه الاقتصادية والاستراتيجية لضربة اخرى في نفس الوقت. جـ) محصلة المدرستين: برز اتجاه ثالث يتبنى فكرة تجنب قصف المدن العربية نوويا بمعنى ان توجه اسرائيل الضربة الاولى ضد الاهداف العسكرية العربية وليس الاهداف المدنية وذلك اذا ما تهدد امن اسرائيل وليس كيانها, والفارق بين الاثنين ان تهديد الامن يتعلق بالتواجد الاسرائيلي في المناطق المحتلة وطرق الاتفاقات الامنية والمعاهدات الموقعة مع الدول العربية اما تهديد الكيان الاسرائيلي فيتمثل فيما يتعلق بكل ما هو داخل ارض اسرائىل من اهداف سواء تعرضت لهجمات بأسلحة تقليدية او فوق تقليدية. ـ من هنا يتضح لنا ان اسرائيل لن تكون مضطرة لاستخدام اسلحتها النووية الا اذا ادركت ان قواتها التقليدية على وشك هزيمة محققة وسيكون هذا الاستخدام على مرحلتين: المرحلة الاولى: عندما يتهدد امنها وفي هذه الحالة ستلجأ اسرائيل الى استخدام اسلحتها النووية التكتيكية ضد القوات العربية التي خرقت الترتيبات الامنية وسيكون ذلك في حد ذاته انذارا بالتصعيد. ثم المرحلة الثانية: عندما يتهدد كيان اسرائيل ذاته او تتعرض اهدافها في العمق لضربات مؤثرة من جانب المقاتلات والصواريخ العربية وفي هذه الحالة ستلجأ اسرائيل لاستخدام اسلحتها النووية الاستراتيجية ضد المدن والاهداف العربية الحيوية وفي هذا الصدد تطبق اسرائيل نظرية الاستخدام المزدوج لاسلحتها بعيدة المدى (مقاتلات وصواريخ ومدفعية) بحيث يمكنها قصف ذخائر تقليدية ونووية ذات اعيرة مختلفة وكذلك كيميائية وبيولوجية. ـ ويستتبع ذلك عدم وجود اي خداع في سلوك اطراف الصراع لان المسألة حياة او موت بالنسبة لكلا الطرفين وان يكون من الصعب عدم استبعاد الدور الذي تمارسه دول عظمى مثل الولايات المتحدة لكبح جماح اطراف الصراع عن التصعيد المسلح حتى لا تتأثر مصالحهم في المنطقة ولانه ليس من المحتمل ان يبرز تهديد نووي عربي ضد اسرائيل قبل عام ,2010 فلن تكون اسرائيل في حاجة لاستخدام اسلحتها النووية الا اذا تعرضت مدنها واهدافها الحيوية للتهديدات, اما اذا قررت استخدام اسلحتها النووية فسيكون ذلك في البداية ضد الاهداف العسكرية التي تشكل خطرا عليها مثل تقدم قوات عربية في اتجاه الحدود الاسرائيلية ومراكز الصناعة الحربية العربية في الدول المحيطة بها قبل ان تقصف اهداف العمق العربي. ـ ولقد اثبتت الدراسات الاسرائيلية ان اخراج اي دولة عربية من الحرب باستخدام الاسلحة النووية لن يحتاج لاكثر من 12 ـ 15 سلاحا نوويا تكتيكيا بأعيرة اقل من 10 كيلو طن. ومن ثم فانه مهما بلغ حجم الترسانة النووية الاسرائيلية فان معظمها يعتبر من النوع التكتيكي الذي يستخدم ضد الاهداف العسكرية وستلجأ اسرائيل في استخدامها للسلاح النووي الى اتباع استراتيجية (الرد المرن والمتدرج) الذي يبدأ بالاهداف العسكرية وينتهي بالاهداف المدنية.