ليس المطلوب من وزراء الخارجية العرب عندما يذهبون الى بيروت بعد ايام مجرد بيان للاستنكار او رسالة للتأكيد فالموقف يتغير, والشارع العربي ينتظر الكثير, والأبواب مفتوحة امام واقع يفرض نفسه وينهي السنوات العربية العجاف.. ويا ويل الجميع لو انغلقت الابواب وبقى العرب ينتظرون المعجزات طبيعي جدا ان تصاب اسرائيل بالهستيريا وهي تشاهد التحولات الخطيرة في المنطقة والتي اعقبت عدوانها الهمجي على لبنان وتهديداتها النازية بحرق ارضه. فالأمر هذه المرة تجاوز الشجب والاستنكار المعهود من العرب, وزيارة الرئيس المصري للبنان وما تلاها من تداعيات عربية خلقت واقعا جديدا على الجميع ان يضعه في الحسبان. طبيعي جدا ان تصاب اسرائيل بالهستيريا, فالعودة المصرية للبنان تعني سقوط مرحلة بائسة من التاريخ العربي وانفتاح الابواب امام تطورات هامة بعد ان ثبت للجميع عقم الرهان على اعتدال اسرائيلي متوهم, وخيبة الاعتماد على سياسة تعليم اوراق اللعبة لامريكا او لغيرها وانحسار التوقعات بأن الواقعية هي طريق العرب للسلاح الشامل العادل والتنمية المطلوبة والاستقرار المنشود. الهستيريا الاسرائيلية مفهومة لانها تعني ان كل اساسيات المشروع الصهيوني لفرض الاستسلام على العرب تتهاوى لتظهر الحقيقة واضحة وهي اننا امام كيان عنصري يزيده الضعف العربي جنوحا الى الارهاب والدموية وتعطيه المساندة الامريكية القوة التي تزيده غرورا وغطرسة, ويمنحه التراجع العربي تحت اسم الواقعية الفرصة لاهدار كل الحقوق وفرض الاستسلام بلا قيد او شرط. والهستيريا الاسرائيلية مفهومة لان عودة مصر للبنان لم تكن على ارضية (الواقعية) كما تريدها اسرائيل.. وخوفا وتسليما بهيمنة الكيان الصهيوني, لكنها تجيء على ارضية الرفض الحاسم لهذا المنهج, والمتمسك بكل الحقوق العربية,. والاقرار بمشروعية المقاومة العربية للاحتلال.. حتى ولو كان ذلك يخالف رأي اطراف عربية القت السلاح قبل الاوان فتسببت في كارثة, وحتى لو كان ذلك لا يرضي امريكا التي ترى في المقاومة العربية ارهابا وحتى لو كان ذلك يتعارض مع الرؤية الصهيونية التي لا يختلف عليها يمين او يسار في اسرائيل.. وهو ان كل شىء في المنطقة (وربما في العالم كله) ينبغي ان يتم تسخيره من اجل هدف واحد وحيد هو امن اسرائيل ورفاهيتها, اما اصحاب الارض والحقوق من العرب فليسوا الا مثالا على التخلف والقذارة وفقا لتعبير المعتدل جدا شيمون بيريز. اسرائيل فهمت قبل غيرها مغزى زيارة الرئيس المصري للبنان, وادركت ان عشرين سنة في ظل معاهدة السلام (!!) مع مصر لم تغير توجهاتها انها فقط لا ترفض التطبيع الذي يراد فرضه عليها, ولكنها تعلن ان المقاومة المسلحة مشروعة بل وواجبة و,ان عليها وعلى العرب جميعا ان يساندوها, لان هذا هو الطريق الوحيد للوصول الى الحقوق العربية, بعد ان تحولت الغطرسة الاسرائىلية الى جنون بالقوة وبعد ان كشف (المعتدلون) في اسرائيل انهم خير تلاميذ في مدرسة النازية وتسابقوا في التهديد بحرق لبنان ومعاقبة العرب. تنبهت اسرائىل قبل غيرها لمغزى الزيارة باعتبارها اعلانا بافلاس نهج المفاوضة من موقف الضعف العربي, وانذارا للجميع بأن مصر ليست وسيطا ولا طرفا محايدا في الصراع العربي الاسرائيلي ـ بل هي في قلب المعركة دفاعا عن امنها والتزاما بدورها القوي بكل مسئولياته ـ ولو كره الذين راهنوا على عزل مصر او اعتزالها. لقد قلبت مصر الطاولة على اللاعبين, واصبح على الجميع ان يستوعب خطورة ما حدث والتعامل معه بكل جدية فتدرك اسرائيل انها امام خيار جديد وتقر بأن مشروعها لفرض السلام المستحيل (أي الاستسلام بلا قيد او شرط) على العرب غير قابل للتحقيق, وان كل ارض عربية محتلة يمكن ان تتحول الى جنوب لبناني مزروع بالمقاومة المشروعة والمطلوبة, والضرورية للوصول الى الحقوق المغتصبة. وتدرك امريكا ان مساندتها للعدوان والغطرسة الاسرائىلية لن تؤدي الى سلام او استقرار, بل ستقود المنطقة الى انفجار كبير ويضع المصالح الامريكية في دائرة الخطر. ويبقى الاهم... وهو ان نستوعب نحن الموقف بكل ابعاده, وان ندرك حجم المخاطرات التي تتهددنا, وان ندرك ان الامة ما زالت قادرة على تجاوز المحنة التي تعيشها وان الالتفاف حول موقف عربي واحد من العدوان على لبنان يمكن ان يكون البداية لاستعادة الارض المفقودة في التضامن العربي.. قبل ان تتحول الى ارض محروقة بفعل اخطائنا اولا وبتنفيذ المخططات الصهيونية بعد ذلك. لقد دعت الجامعة العربية لانعقاد المجلس الوزاري للجامعة في بيروت بصفة استثنائية تعبيرا عن التضامن والمساندة, وقد لقيت الدعوة كل الترحيب الرسمي والشعبي, والمهم بعد ذلك ان يذهب كل وزراء الخارجية العرب الى الاجتماع مهما كانت الظروف, وان يذهبوا برؤية واضحة لا تعتبر الاجتماع مجرد رفع للعتب كما يقولون بل بداية جديدة في المواجهة مع العدو الصهيوني. ومن هنا.. فليس المطلوب بيانات استنكار وشجب, وانما المطلوب مراجعة شاملة لمرحلة مأساوية في تاريخ العرب اصبح فيها العقد الاخير من القرن العشرين واحدا من اسوأ العقود التي شهدتها الامة.. ففيها تم الغزو العراقي للكويت الشقيق ليتم تدمير العراق وفيها تم الانقضاض على الانتفاضة الفلسطينية وتصفية الثورة وادانة النضال الوطني الفلسطيني واعتباره ارهابا يمنع السير في درب اوسلو الذي دخلته القيادة الفلسطينية ولم تعرف حتى الان كيف تخرج منه بعد ان قدمت كل التنازلات الممكنة وغير الممكنة ولم يعد لديها الآن الا الصراخ لكي يمنحها العدو شيئا يمنع محاسبة الشعب الفلسطيني لها. وفي هذه المرحلة التي لابد من مراجعة شاملة لها ـ انهارت كل الحصون العربية وانفرط العقد العربي كما لم يحدث من عشرات السنين, واصبحت الجامعة العربية شاهدا على المأساة بعد ان كانت بشيرا بالنهضة المقبلة, وفي هذه المرحلة صالح من صالح, وهرول من هرول, واصبح لدينا مسئولون يؤكدون ان العروبة خرافة, وانظمة تسعى الى تل أبيب باعتبارها الطريق الرسمي الى عقل وقلب المسئولين في واشنطن واصبح عقد قمة عربية مستحيلا من المستحيلات لان امريكا لا تريد ذلك.. وكل حديث عن سبب آخر هو مجرد بحث عن شيء يستر العجز ويداري الفضيحة. ورحم الله اياما دعا فيها عبدالناصر للقمة لينقذ الاردن والفلسطينيين من مأساة قتال الاشقاء فانعقدت بعد ساعات واوقفت حمامات الدم وان كان الثمن باهظا برحيل عبدالناصر بعد الجهد الذي بذله في هذه القمة. واهمية لبنان انها تقدم النموذج الذي يكتشف تماما عقم المرحلة التي قادتنا لهذه الاوضاع فهذا بلد صغير رفض الانصياع للمقدر والمكتوب من امريكا واسرائيل ورفع لواء المقاومة في وجه الجميع بمن فيهم بعض ابنائه الذين كانوا يرون مستقبلهم خارج الدائرة العربية وفي احضان العدو الذي اراد تحويله لاقرب الاصدقاء وهزم لبنان كل المخططات المعادية ورفض اتفاقية الاستسلام حين حاولت اسرائيل فرضها بعد غزوها الهمجي عام ,82 واضطرت القوات الامريكية للفرار من هناك خوفا من الغرق بينما بقيت اسرائيل في الجنوب لتلقى الهزيمة وتبحث عن طريق للفرار وتحاول الوصول الى اتفاق بأي شكل مع لبنان حتى تداري خروجها الذليل وتمنعه ان يكون اعترافا بالانكسار امام المقاومة الوطنية اللبنانية. فعل لبنان ذلك في غيبة التضامن العربي الفعال, وبينما كان بعض العرب يهرول والبعض يقدم التنازلات والبعض يفتح الابواب للتطبيع رغم انف الارادة الشعبية الرافضة والبعض يشاهد طائرات العدو وهي تضرب المدن العربية فيحدثنا عن ثقافة السلام, والبعض يصور لنا الغطرسة الاسرائىلية على انها صنيعة نتانياهو وحده ويقيم الافراح والليالي الملاح لمجىء حزب العمل ونجاح باراك قبل ان يكشف انه كان يخدع نفسه قبل ان يخدع الاخرين وان الدولة التي قامت على الارهاب لا يمكن ان تستمر الا بالارهاب وان نتانياهو لم يكن الا تلميذا عبيطا في مدرسة النازية الحديثة التي يتفوق فيها اقطاب حزب العمل على غيرهم بما اقاموه من مستوطنات وبما حققوه من نجاح في اغتصاب الارض وتشريد اصحابها. قيمة لبنان انه يعيد الامور الى اصولها لتصبح القضية قضية ارض محتلة لابد من تحريرها وليست ارضا متنازعا عليها يجري التفاوض على مستقبلها وقيمة لبنان انه يؤكد ان السلاح لا ينبغي ان يلقى الا بعد استرداد الارض وليس قبل ذلك, وقيمة لبنان انه يؤكد ان هزيمة العدو ممكنة اذا امتلكنا الارادة ولم نخضع للابتزاز ولم نترك قرارنا على اعتاب واشنطن كما يفعل البعض الآن. وقيمة لبنان بعد ذلك كله انه يعطي العرب الفرصة لبناء موقف جديد يتمسك بالثوابت.. سواء في قضية التحرير والاستقلال او في عبور الوضع المأساوي الذي تعيشه العلاقات العربية العربية والبحث عن نقاط اللقاء لتعميقها وتجاوز خلافات الماضي لان تحديات المستقبل تهدد الجميع. لقد فتح التحرك المصري نحو لبنان ابوابا كانت مغلقة وحرك مياها كانت راكدة. ولم يكن ذلك بحثا عن دور غائب او زعامة مفقودة كما بدأت تردد الابواق الصهيونية وانما كان تعبيرا عن مسئولية قومية لا تستطيع مصر التخلي عنها وكان ادراكا بأن أمن مصر لا يمكن ان يتحقق بعيدا عن العرب, ومن استقرار العرب ونهضتهم لا يمكن ان يتأكد في ظل القطرية الضيقة. ومن هنا كان الانزعاج من التحرك المصري ومن الاستجابة العربية الهائلة شعبيا ورسميا ومن هذا المنطلق ينبغي النظر الى التصريحات الامريكية التي اعتبرت التحركات المصرية ضد السلام!! وكذلك الى تصريحات جوسبان رئيس وزراء فرنسا ناهيك عن الوقاحات الاسرائيلية التي تهدد وتتوعد وتتصرف كأن القرار الامريكي في ايد صهيونية خالصة. وهكذا وفي وقت واحد.. اصبحت مصر متهمة بانها تقوم بتسريب اسرار السلاح الامريكي المتقدم لكوريا الشمالية واصبحت مصر (في التقرير الرسمي للخارجية الامريكية) متهمة باضطهاد الاقباط, وتعالت الاصوات (من اسرائىل!) تهدد بقطع المعونة الامريكية عن مصر! وبدأ التلاعب في البورصة المصرية لاحداث هزة اقتصادية! وجاء وزير امريكي الى القاهرة ليعلم منها حرص امريكا على وصول الغاز المصري الى اسرائىل. ولا ينبغي ان يزعجنا كل ذلك. ففي المقابل هناك الاجماع الشعبي في مصر على رفض الغطرسة الاسرائىلية والتدخل الامريكي وهناك اليقين بأن محاولات حصار مصر وضرب استقرارها ستستمر لانها ستظل كما كانت على مدى التاريخ حائط الصد الاخير للوجود العربي والمقدمة المطلوبة في كل نهضة عربية. وهناك الممارسات الاسرائيلية التي كشفت للجميع انه لا فرق بين باراك ونتانياهو ولا بين يمين او يسار الا في الوسائل المؤدية لتحقيق الاستراتيجية الصهيونية بكل استعلائها وطموحاتها غير المشروعة وارهابها غير المحدود. وهناك اليقين العربي بأن الابواب قد انفتحت لبناء موقف عربي جديد ينهي السنوات العجاف ويبدأ في مواجهة شجاعة للنفس والآخرين. وكل ذلك يلقي بمستويات اكبر على اجتماع وزراء الخارجية العرب في بيروت بعد ايام فالباب قد انفتح لموقف عربي جديد والشارع العربي لم يعد يتحمل المزيد, وسواء انعقدت القمة بعد ذلك ام لم تنعقد فلا احد سيقبل استمرار الهرولة ولا احد سيوافق على المزيد من التنازلات ولا احد سيجد الاعذار بعد درس لبنان ـ للخضوع الذليل لابتزاز اسرائيل وضغوط امريكا. الباب قد انفتح امام موقف عربي جديد ويا ويل الجميع اذا اهدروا الفرصة واغلقوا الابواب!!