قضيت اياما من الاسبوع الماضي في بيروت, بغرض المساهمة في ندوة تعقدها احدى منظمات الامم المتحدة (الاسكوا) ومقرها بيروت, والهدف من الندوة هو دراسة اولويات العمل العربي. هذا الاسبوع هو نفسه الذي شهد ذيول الاعتداء الاسرائيلي على بعض منشآت لبنان الحيوية وبشكل وحشي . وافقت بعد ان ألح صديق صحفي لبناني من المثقفين وأن (من رأى ليس كمن سمع) فصاحبته في جولة الى قرب الشريط الحدودي الى صيدا وصور ثم القرى المتاخمة للشريط والتي نسمع عنها عندما يسقط ابناؤها شهداء بعد الغارات الاسرائيلية ولكن لا نعرفها. في الجولة استمعت الى ترحيب واسع للموقف العربي تجاه لبنان من بسطاء اللبنانيين, وكم هو مقدر هذا الموقف المساند. اتفهم هذا الترحيب فقد ذكرنا بأيام مثل هذه التي عشناها قبل عشر سنوات تقريبا, عندما كان الكويتيون يستبشرون بأية بادرة عربية تنصف موقفهم الذي شكل كارثة لهم وللعرب في ذلك الوقت, ما زالت اثاره باقية, فقد كان كل صوت او رأي ايجابي يقابل بالترحاب. لقد زار لبنان الرئيس المصري حسني مبارك, كما زاره الشيخ صباح الاحمد النائب الاول لرئيس مجلس الوزراء الكويتي وزير الخارجية, كما زارته وفود برلمانية وشعبية مختلفة, كلها جاءت لتؤكد الموقف العربي المؤازر, وانعكس ذلك ليس فقط في الصحافة اللبنانية التي رحبت بهذا الموقف المتعاطف, كما رحبت به الاوساط السياسية اللبنانية, ولكن ايضا في الشارع اللبناني الذي شعر بأن هناك تعاطفا مع ما يعانيه منذ سنوات, وتفهما لتضحياته الكبيرة. لقد جاء الرئيس حسني مبارك بعد انقطاع لرئيس الدولة المصرية لسنوات طويلة عن الزيارة المباشرة للبنان, وفي هذا تأكيد من جديد على دور مصر العربي, فعلى الرغم من ان مصر لها علاقات سلام موثقة مع اسرائيل, فان هذا لا يمنعها من الوقوف مع الحق, ومع اية دولة عربية تتعرض للعدوان حتى وان تعرضت للعدوان من دولة تربطها بالقاهرة معاهدة سلام. هذا الموقف المصري هو تأكيد لمبادىء افتقدها العمل العربي لفترة طويلة, تكاد تتجاوز العقد الكامل, ولقد كان هذا الافتقاد للعمل العربي ابان الاعتداء العراقي على الكويت واضحا, فقد وقفت بعض البلدان العربية مترددة, مما وسع في شهية المعتدي وبدت افعاله وكأنها مقبولة من البعض, اما البلدان العربية ذات المواقف المبدئية فقد اكدت من جديد, وقتها واليوم ان الوقوف مع الحق اولى به ان يتبع. ولعل زيارة الشيخ صباح الاحمد الى بيروت قد اكدت ليس موقف الكويت الثابت من حق تحرير الارض العربية, بل وايضا من موقف تجاه لبنان تاريخي, تمثل في توصيل رسالة دبلوماسية مفادها انه تم الاتفاق بين وزراء الخارجية العرب على عقد اجتماعات الدورة المقبلة لمجلس الجامعة العربية على مستوى وزراء الخارجية في بيروت في منتصف الشهر المقبل بدلا من القاهرة كما كان مقررا, وهي رسالة دعم عربية للبنان حكومة وشعبا في مواجهة السياسة الاسرائيلية والعدوان المتكرر على لبنان ومنشآته الحيوية ولبنيته الاساسية. الا ان هذا الموقف العربي الذي تزامن مع ذكرى ايام تحرير الكويت, قد توافقت معه مجموعة من التصريحات العراقية التي تؤكد من جديد الموقف العام للنظام العراقي على الاستمرار في تبرير العدوان, واشير هنا الى تصريحين الاول لنائب رئيس الوزراء العراقي طارق عزيز ونقلته وكالات الانباء العالمية قال فيه ردا على سؤال لماذا يقف العراق خارج الاجماع الدولي, قال ردا على ذلك ان العراق ليس خارج الاجماع الدولي هو فقط خارج (النادي الامريكي) ! مثل هذا القول هو استهزاء منقطع النظير بما يلاقيه الشعب العراقي من عنت ومن جوع, واللعب بالكلمات التي لا تحمل أي معنى في مصائر الشعوب, وهو تصميم على العدوان الداخلي, وترديد لمقولات ليس لها صدقية. اما التصريح الثاني فهو غضب سعدون حمادي رئيس مجلس النواب العراقي بعد انتهاء اجتماع الجزائر لرؤساء البرلمانات العربية الاسبوع الماضي, فقد قال عندما سألته مندوبة الاذاعة البريطانية الناطقة بالعربية عن الاسرى الكويتيين في العراق, قال انه لا يوجد اسرى كويتيون في العراق, ثم اضاف, الدليل اننا طلبنا تشكيل وفد من البرلمانيين العرب للتفتيش عن هؤلاء الاسرى في سجون العراق! لا تعرف المذيعة اسماء هؤلاء الاسرى ولا ظروف اسرهم, ولكن معظم الكويتيين يعرفون ذلك بسبب صغر المجتمع من جهة, والوثائق التي تركها الاحتلال خلفه من جهة اخرى. والغضب الذي ابداه سعدون حمادي في تعليقه على القرارات التي اعلنها الاجتماع البرلماني في الجزائر, هو غضب جعله يحط من ذكاء المستمع بتصريحاته حول الاسرى الكويتيين غير القابلة للتصديق. في كلتا الحالتين ونحن نخطو الخطوات الاولى في القرن الواحد والعشرين, فإن هناك قوى عربية تريد ان تبقي امر العرب على حاله بالاختلاق والتزوير وقلب الحقائق, وتكرار ما استهلكته من شعارات سابقة ترددها كالببغاء. وقوى اخرى تريد ان تنتشل العمل العربي من سقطته التي طالت منطقة مليئة بالنزاعات وحبلى بالتطورات, لذلك يتنادى العرب لنصرة لبنان والحق العربي, ويظل النظام العراقي ينفخ في ابواق عديمة القدرة على الاقتناع يردد شعارات العدوان والحرب وتفريق الصفوف العربية. هنا لابد من التوقف لحظة للنظر في اي المسارات نتمنى ان يسير العمل العربي المقبل في عالم يسعى للتكتلات الاقليمية وتمكين الانسان من ان يعيش بحرية وكرامة في وطنه, وتتفتح امامه الشبكات الالكترونية والسماوات المتلفزة, واقتصاد عالمي حديث مبني على المعلوماتية. هل هو مسار القمع والعدوان, وقد اكد لنا تاريخ المسيرة البشرية, انه كلما كان القمع الداخلي قاسيا ووحشيا, هددت هذه الدولة جيرانها, و العكس صحيح في غالب الاحيان, ام هو مسار التعاون على القضايا العربية الكبرى والدفاع عن الحقوق العربية, في عالم لا يعترف كثيرا بالضعفاء المتنافرين. لقد رأينا في السنوات العشر الماضية مسيرة عربية ان كان لها تلخيص في بضع كلمات فعنوانها هدر الامكانات المادية والبشرية, هدر هذه الامكانات يجب ان يتوقف, فقد خسرت التنمية في منطقتنا بلايين الدولارات بسبب الشطط السياسي واتخاذ القرارات الخاطئة والحروب الدموية, ورفع شعارات تلهي الجماهير وتفقدها حرياتها وحقوقها الانسانية, كما عرضت وتعرض الامن العربي لمخاطر سوف يتفاقم ضررها. لذا, فان الاجتماع المقبل لوزراء الخارجية العرب في بيروت من الافضل ان يتجاوز رؤية الشجرة للنظر الى الغابة حيث ان المخاطر المقبلة قد تجاوز المخاطر الماضية والتي عرفنا ضررها البالغ, وقد يكون له هدف عام هو نصرة الضعيف بقدر ما هو لجم المتطاول. فبين مدرستين, مدرسة للاغلبية العربية تحاول جاهدة تغليب المصالح العربية المرسلة لفهمها الواضح للمخاطر المحيطة, واقلية ما زالت ترفع الشعارات وتدور في نفس الحلقات المفرقة السابقة ذات الجرس الحار, لتكن بيروت المتضررة نقطة انطلاق جديدة لتغليب الحكمة وتأكيد المصالح العربية, فلم يعد هناك قاع للوصول اليه في العمل العربي المشترك اكثر مما وصل اليه, لذا وجب القول لمن لا يزال يسير ضد التيار.. كفى!