في سبيل المحافظة على استقلالية جهاز الأمانة العامة للامم المتحدة وحمايته من تغول القوى العظمى المسيطرة سياسيا على مجلس الأمن الدولي دفع داج همرشولد الأمين العام حياته ثمنا عند أوائل ستينيات القرن الماضي. وليس مطلوبا الان من كوفي عنان الأمين العام عند مطلع القرن الحادي والعشرين ان يتحدى الولايات المتحدة وبريطانيا الى درجة المخاطرة بحياته, لكنه قطعا مطالب بالالتزام بالحد الأدنى من النزاهة والشجاعة والغيرة المهنية مما كان يتحلى به همرشولد. غير أن الاختبارات التي واجهها عنان حتى الآن لا تبشر بأنه يقتدي بسلفه السويدي في الايمان بقداسة الحيدة للمنصب الذي يشغله. عند مطلع الستينيات كان الاختبار الاعظم الذي انبثقت عنه فروع وتداعيات ما عرف بأزمة الكونغو. أما الاختبار الاعظم الراهن فهو قضية العراق. ومع تصاعد وتواتر التدخل الامريكي البريطاني في المشهد العراقي لغرض استغلال اجهزة وآليات الامم المتحدة لصالح أجندة امريكية صرفة لا يبدو ان الامين العام يجد نفسه على مستوى قبول هذا التحدي المتنامي. وربما ظل تهيب الامين العام من الولايات المتحدة مستورا لولا استقالات متتابعة لثلاثة من كبار مساعديه. من باب الاحتجاج على الاصرار الامريكي في ابقاء الشعب العراقي تحت حالة من التجويع المستديم باسم معادلة (النفط مقابل الغذاء) استقال منسقا برنامج الأمم المتحدة الانساني دينيس هاليداي وهانز فون سبونيك.. ولحقت بهما مديرة برنامج الغذاء العالمي يونا بيرجهارد. وقبل هذه الاستقالات تلقى الامين العام تقريرا من سكوث ريز, أحد كبار اعضاء اللجنة الدولية للتفتيش عن اسلحة الدمار الشامل في العراق يوجه فيه اتهاما خطيرا الى رئيس اللجنة ريتشارد بتلر بأنه بتلر يسخر انشطة اللجنة لصالح الاستخبارات الامريكية والاستخبارات الاسرائيلية. ازاء هذه التطورات كان من المتوقع ان يتحرك عنان من منطلق مهني بحت. وعلى أقل تقدير فانه مطالب باجراء تحقيق. هكذا تتطلب أخلاقيات المهنة. في أزمة الكونغو في الستينيات وجد همرشولد نفسه في موقف تعمد فيه مجموعة الدول الغربية الكبرى بزعامة الولايات المتحدة الى استغلال اسم الأمم المتحدة ووجودها العسكري على أرض الكونغو لخدمة اهدافها الذاتية. تلك الأهداف كانت تتمحور في العمل على فصل اقليم كاتنجا عن الحكم المركزي الكونغولي لكي تنفرد شركات التعدين الغربية باستغلال ثرواته المعدنية بعد ان تقيم فيه حكما افريقيا عميلا. والتحدي الذي واجهه الامين العام انذاك كان يتمثل في تفعيل وتطبيق القرارات الدولية المبنية على مبدأ المحافظة على وحدة اراضي الكونغو. ووجه الشبه بين ما واجه همرشولد في الستينيات وسلفه عنان في الوقت الراهن يتمثل في ان القوى العظمى تقول ما لا تفعل.. وتريد ان يكون الامين العام طوع بنانها على الصعيد التطبيقي. في ازمة الكونغو كانت الولايات المتحدة تعلن دعمها لوحدة الكونغو بينما تضمر دعم الحركة الانفصالية في اقليم كاتنجا. وفي أزمة العراق الان فإن السياسة الامريكية المعلنة هي العمل على سد احتياجات الحد الأدنى للشعب العراقي من غذاء ودواء بينما يعمد ممثلو الولايات المتحدة في لجنة المشتريات الدولية الخاصة بالعراق الى وضع عراقيل تلو عراقيل لتعطيل عقود الاستيراد للأغذية والأدوية وقطع الغيار التي تتقدم بها بغداد. وإزاء هذين الموقفين ـ الكونغو في الماضي والعراق في الحاضر ـ نجد شخصية الامين العام للامم المتحدة في صورتين متناقضتين: صورة همرشولد الذي آثر المقاومة الشجاعة ضد محاولات استغلال المنظمة الدولية.. وصورة كوفي عنان الذي يؤثر السلامة الشخصية. وربما يعتمل في ذهن عنان ان انفجار الطائرة الخاصة الذي ذهب بحياة همرشولد فوق الكونغو عام 1961 لايزال حتى اليوم ملفوفا بغموض مريب.