التصريحات الاسرائيلية المتناقضة حول الانسحاب من الاراضي السورية المحتلة إلى حدود الرابع من يونيو 1967 لا تدعو للاطمئنان, خاصة في الظروف الراهنة, وهي تتطلب التعامل معها بأقصى درجات الحذر لاكتشاف حقيقة دوافعها وتفويت فرص المناورة واللعب على الحبال امام اسرائيل . فليس من المستبعد ان يكون هدف هذه التصريحات اجهاض محاولة لم الشمل العربي وتحريك آلية التضامن التي انطلقت بعد العدوان الصهيوني الاخير على لبنان, فمثل هذه الاشارات المتناقضة وغير الملزمة قد تدفع العرب مرة اخرى إلى الاسترخاء وعدم اعطاء مؤتمر وزراء الخارجية المقرر عقده ببيروت في 12 مارس المقبل الاهمية التي يستحقها من حيث دعم لبنان وتكتيل الجهود العربية لمواجهة اسرائيل. كما قد لا يكون من المستبعد ان تأتي هذه التصريحات ضمن خطة تحرك امريكي ـ اسرائيلي لتفريغ التحرك العربي من محتواه, واعطاء المبرر لدول عربية بعدم التراجع عن التطبيع واقامة العلاقات مع اسرائيل, خاصة وان انباء صحفية تحدثت عن رسالة سرية وجهتها مادلين اولبرايت إلى الدول العربية تحذرها فيها من دعم المقاومة أو اتخاذ مواقف جدية تجاه التضامن العربي. الاحتمال الثالث هو ان يكون الهدف الصهيوني تنفيس الاحتقان في المنطقة العربية من خلال العودة إلى دوامة مفاوضات لا تنتهي ولا تسفر عن عودة الحقوق العربية إلى اصحابها, حيث بدا في الايام الاخيرة ان الواقع العربي عاد إلى المربع الصحيح في ادراك حقيقة نوايا اسرائيل وعدم حرصها على السلام, واصرارها على التوسع والعدوان, وهو ما يبشر بعودة اجواء المواجهة الجادة ضد العدوانية الاسرائيلية كسبيل وحيد لتحقيق السلام العادل والشامل, وهذا الاحتقان الشعبي العربي نفسه هو الذي دفع الرئيس مبارك إلى التحذير قبل ايام من احتمالات عودة (العنف الرهيب) إلى المنطقة. اما الاحتمال الرابع والاخير فهو الضغط على المسار الفلسطيني وتبرير تقديم تنازلات جديدة من قبل اولئك المذعورين في السلطة الفلسطينية أو الباحثين عن مبرر امام شعوبهم لتقديم التنازلات المجانية والرضى بالحل الاسرائيلي الذي يطمح العدو لفرضه على المنطقة. ولقد تأكد فيما مضى ان احترام الارادة والحقوق العربية والقدرة على المقاومة, وتحقيق التضامن, كانت ولاتزال السبل الوحيدة لفرض احترام العرب على عدوهم ودفعه إلى الاقرار بمصالحهم, ويجب ان يبقى ذلك واضحا حتى بالنسبة لكل المراهنين على استراتيجية التسوية مع العدو من العرب.