لم تعد العملية السياسية عند المرحلة الحالية في الانتخابات الرئاسية الامريكية تدور حول من الذين يفوزون وإنما كيف ينعقد لهم لواء الفوز. فقد بدأ المرشحون في السباقين الجمهوري والديمقراطي على السواء يجرحون بعضهم على نحو خطير, وهي الجروح التي ستستمر في النزيف, بغض النظر عمن سيفوز, حتى نوفمبر المقبل . وقد وصلت الضراوة التي ابداها المرشحون في كلا الحزبين مع نهاية الاسبوع الماضي الى مستويات محرجة, دفعت ببعض قادة الاحزاب لاطلاق التحذيرات, حيث دعا بوب دول السناتور السابق والمرشح عن الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية عام 1996 كلا من حاكم تكساس جورج بوش والسناتور عن ولاية اريزون جون مكين للتوقف عن مهاجمة احدهما الآخر وقال: (ان الهدف هو الفوز في نوفمبر, وسيكون من الصعب علينا كثيرا ان نفوز اذا ما كان مرشحنا موصوما باتهامات غير دقيقة واتهامات مضادة. اما على الجانب الديمقراطي فقد حذر السناتور جوزيف بيدن المرشح للرئاسة عام 1988 من ان الحزب يواجه خطر (تمزيق نفسه) ويسابق بيدن الزمن الان لإيقاف هذالعداء داخل الحزب. ومع ان الحملة بدأت قبل عام من الآن, باعتبارها سباقا متمدنا بشكل أو بآخر, فقد تطورت في كلا الحزبين لتتحول الى شأن سلبي على نحو غير مألوف. من ناحيتهما انزلق بوش ومكين في المنافسات الجمهورية الثلاث الاخيرة في مشادات عدائية من خلال وكلائهما. ففي ولاية ساوث كارولينا, مثلا وظف حلفاء بوش من اليمين الديني برنامجا مصرفيا هاتفيا شاملا لتوجيه سلسلة من التهم ضد مكين. واحدى هذه التهم التي اثارت ضيق مكين بشكل خاص هي التي طالت شرفه وامانته. كما شوهت تهمة اخرى الحقيقة عندما وصف هؤلاء مدير حملة مكين بأنه متعصب معاد للمسيحية. كما ثارت شائعات عبر البريد الالكتروني مفادها ان لمكين أبناء غير شرعيين او انه قد خان الولايات المتحدة لدى اسره في فيتنام. وفي احدى رسائل حملة بوش الاكثر شعبية, تبنى صورة الجمهوري المحافظ الحقيقي موحيا بأن مكين ليبرالي مثل الرئيس كلينتون, وانه يحرك الديمقراطيين لاختطاف النصر في الانتخابات الجمهورية الاولية. ورد مكين الذي لم تقصم ظهره الهزيمة في ساوث كارولينا الضربة في انتخابات ميتشجان واريزونا. حيث واجه محاولات بوش بالطريقة ذاتها مستخدما المكالمات الهاتفية ليتهم بوش بأنه اسير عقيدة اليمين الاصولي المتطرف, وانه كان يتعاون مع المتعصبين المعادين للكاثوليكية. ثم اشار مكين في احد اجتماعاته الشعبية الى ان بوش (ضعيف و عديم الخبرة) . ولم يخض الديمقراطيون غمار انتخابات اولية, لكن كان لهم سجال واحد فقط خلال الاسابيع القليلة الماضية, وقد ميز تلك المناسبة تجريح نائب الرئيس آل جور والسناتور السابق بيل برادلي لسجل كل منهما واقتراحاته الانتخابية, اذ استمر برادلي بالعزف على الوتر ذاته الذي عزف عليه نيوهامبشاير متهما جور في امانته وشرفه. وفي المقابل هاجم جور سجل برادلي متهما اياه بالفشل في الاستجابة لقضايا خطيرة برزت اثناء تمثيله نيوجيرسي في مجلس الشيوخ. وما يصيب المرء بالصدمة وهو يشاهد المرشحين خلال لقاءاتهما المشتركة هو القسوة, بل والعداء احيانا الذي يخاطبان به بعضهما. وعلى الرغم من ان نتيجة السباقين الجمهوري والديمقراطي غير واضحة بعد, فان اي خطأ او حتى فضيحة بسيطة تعزا لاي من المرشحين الاربعة خصوصا اذا لم يحسن المرشح ومدراء حملته التعامل معها, يمكن لها ان تغير النتيجة على نحو كامل. وما هو اكيد عند هذا المنعطف, على كل حال, هو ان المجادلات والهجمات التي تستخدم حاليا في المناوشات داخل الاحزاب ستعود للظهور في الانتخابات العامة في نوفمبر المقبل. وقد امكن لبعض المنافسات التي حدثت حتى الآن والى حد بعيد ان تعطينا صورة عن الشكل الذي اخذته الانتخابات الرئاسية الامريكية وأول معالم هذه الصورة هو ان الانتخابات قد تحولت من صراع ميداني بين الحزبين اساسا الى صراع بين رجلين داخل كل حزب, كما حددت المنافسات السابقة القضايا وشكل الهجوم. وسيشهد يوما 7 و 14 مارس المقبلان المعركتين اللتين ستدوران داخل الحزبين الرئيسيين, ففي هذين اليومين ستقرر غالبية ناخبي الحزبين مرشحهم وبمعنى آخر سيتحدد مرشح كل حزب في منتصف مارس المقبل. وعلى الرغم من الجروح والتحديات التي تواجههما حتى اللحظة يظل جور وبوش المرشحين المفضلين لمؤسستيهما الحزبيتين, اذ مع ان مكين استطاع ان يجذب اليه قطاعا ملحوظا من الاعلام ومساندة شعبية معنوية, خصوصا بين المستقلين والديمقراطيين والجمهوريين المعتدلين, إلا ان بوش حافظ إلى حد بعيد على تأييد الجمهوريين القوي له, وبالتحديد في صفوف المحافظين الفاعلين. وعلى الجانب الديمقراطي لم يتمكن برادلي من جذب الاهتمام والانتباه إليه على المستوى الوطني, خلال الأسابيع الثلاثة الماضية, باعتبار ان تركيز الاعلام كان منصبا على مكين, ولهذا يبدو ان الميزان يميل لصالح جور, ونحن نقترب من مارس. وإذا ما كان لجور وبوش ان يكونا مرشحي حزبيهما ليتصادما مرة أخرى, فإن حملتهما قد تكون في جانب منها مرة أخرى اعادة للانتخابات الأولية, فشأن مكين, لابد لجور من ان يتهم بوش بوقوعه أسير اليمين الديني, وبعدم اهتمامه بالكاثوليك والأقليات الأخرى, كما سيسائل منافسه الجمهوري بشأن التمويل الهائل الذي وظفه لحملته الانتخابية ونفقاته المبالغ بها في هذه الحملة. وشأن مكين أيضا سيسائل جور منافسه الجمهوري باقتراحه تخفيض الضرائب ويؤكد على ان ذلك لن يترك في الخزانة الفيدرالية إلا القليل جدا من المال لتوفير الضمان الاجتماعي ونفقات الرعاية الصحية. وعلى نحو مشابه, ستكون تحديات بوش في وجه جور بشكل مؤكد تقريبا صدى للجبهة التي فتحها برادلي على جور, حيث سيسائله بوش حول تورطه فيما يدعى بأنها تجاوزات في تمويل الحملة الانتخابية عام 1996 وفي ميله للمبالغة في وصف انجازاته وفقدانه للصراحة, أي ان الزخم العام للاتهامات في كلا الاتجاهين سيكون هو ذاته, لكن قد تكون على كل حال أقل عداءً في نبرتها. وما سيرثه سجال الخريف الانتخابي أيضا من حملات الانتخابات الأولية التحزبية المتطرفة في السباق, فقد بذل كل من جور بوش كل ما بوسعهما ليبقيا مسيطرين على مركز السجال السياسي, فقد كانت رزمة الوعود التي أملت المؤسسة الجمهورية بأن تكون السبيل لانتصارها المأمول في نوفمبر تتكون من (المحافظة المتعاطفة) التي نحتها بوش إلى جانب رفضه الأولى لاختبارات الولاء (أسود أو أبيض) في التعيينات الحكومية ووصوله للأقليات بأسلوب مناقشته لقضايا مثل الهجرة والتعليم. وفي ساوث كارولينا وميتشجان تحركات حملة بوش على نحو ملحوظ نحو اليمين, ومع انه احتفظ ببعض (عاطفية) خطابته, لكنه ركز أكثر على جذوره المحافظة, وليفوز على مكين (المستقل) , شعر بوش بالحاجة لتنظيم قاعدة تأييده الجمهورية القوية, وهذا ما سيستمر فيما تبقى من انتخابات أولية. كذلك سعى جور للاحتفاظ بعقيدة الوسط التي حققت للديمقراطيين نصرهم في السباقين الرئاسيين الماضيين, لكن هجوم برادلي من اليسار قد أجبر نائب الرئيس على كل حال على ان يركز على قضايا وسياسات قد تضعه موضع المتهم بأنه (ليبرالي جدا) في نوفمبر. ولهذا فسيكون ممتعاً ونحن نتابع الجولتين المقبلتين من الانتخابات الأولية في مارس ان نلاحظ هذه السجالات وهي لا تضر بالفائز من كل حزب فحسب بل وهي تهيئ الساحة للسباق الأخير في نوفمبر بتحديدها للقضايا والتحديات التي ستواجه كلاً من المرشحين للتنافس على الرئاسة.