غضب الاستاذ ميوم ألير من انتقادي السياسيين الجنوبيين في السودان. بينما في الوقت نفسه لم ير بأسا في انتقادي رصفاءهم الشماليين. والآن أريد أن استثمر فرصة تعقيب الاستاذ ميوم على نعتي السياسيين الجنوبيين بالفساد (مقالات (اللعبة داخل اللعبة) التي نشرت في هذا المكان) ) لأوضح رؤيتي أكثر فأقول اذا نعت الفساد يشمل في الحقيقة المثقفين الجنوبيين إجمالا وليس شريحة السياسيين فحسب. أقول هذا عن تجارب لصيقة. فقد عشت في جنوب السودان ثلاث سنوات كانت تسبقها وتعقبها زيارات متواترة. أقمت في ملكال والناصر وأكوبو البيبور.. بل وصلت إلى (فشلا) وجبل بوما. كما أقمت في جوبا ويامبيو وكبوتيا وداو. ومن خلال عملي الطويل في اجهزة الاعلام السودانية والسلك الدبلوماسي عايشت عديداً من المثقفين الجنوبيين سواء من موظفي الخدمة المدنية أو السياسيين وتعاملت معهم شخصياً. وفساد الشخصية الجنوبية المتعلمة يرجع الى نظرة المثقف الجنوبي إلى الشماليين العرب المسلمين عامة ونظرة المثقف الشمالي الى المثف الجنوبي. كما ان له بعدا تاريخيا ذا تأثير على سيكولوجية الشخصية الجنوبية. الشماليون في نظر المثقف الجنوبي هم (أجانب) من نوع ما يصح ابتزازهم لغرض الاستفادة. واذا ترجمت هذه النظرة إلى اللغة السياسية سترى انه من منظور جون قرنق مثلاً انه لا فرق بين جعفر نميري والصادق المهدي ومحمد عثمان الميرغني وعمر البشير وحسن الترابي. ولذا فهو لا يرى بأسا في استغلال هذا ضد ذاك. اما المثقف الشمالي فإن نظرته الى المثقف الجنوبي مبنية على عقدة نفسية تاريخية تتصل بعهد تجارة الرقيق في القرن التاسع عشر. هي عقدة ذنب متأصلة في شخصية المثقف الشمالي وكأنه يستشعر مسئولية وعاراً من إرث الزبير باشا ـ أكبر تاجر رقيق شمالي في القرن التاسع عشر. وهذا بالضبط ما أفرز سياسة (التدليل) كوسيلة لتعامل المثقفين الشماليين مع وصفائهم الجنوبيين. بدافع عقدة (ذنب) هو ليس مسئولا عنها أصلا يجنح المثقف الشمالي عادة الى مسلك الاسترضاء تجاه الجنوبي.. وكأنما الأخير دائما على حق. والمشكلة هي أن المثقفين الجنوبيين تعودوا على هذا التدليل.. بل واستمرأوه.. وأذهب أبعد من ذلك فأقول ان المثقفين الجنوبيين عندما يدركون استحكام عقدة الذنب هذه لدى الشماليين فانهم يعمدون الى استغلالها بأسلوب ابتزازي للحصول على اقصى حد من الفائدة. هذا التدليل من ناحية الشماليين والابتزاز الانتهازي من ناحية الجنوبيين هو أس البلاء في العلاقة بين الطرفين. فالمتوقع من الشمالي على الدوام هو التنازل والتراجع امام مطالب الجنوبيين واسترضائهم بأية وسيلة حقاً أو باطلاً. على الصعيد السياسي تقوم انتفاضة ويسقط نظام ويقدم الفاسدون من عناصر النظام من الشماليين الى محاكمات.. لكن الساسة الجنوبيين الفاسدين المتعاونيين مع النظام لا يحاكمون.. بل, وعلى الفور, يركبون عربة النظام الجديد. أما في مجال الخدمة المدنية فإن الأمر أشد بشاعة.