الانجليز يعتقدون ان (الحالمين لا يقيمون البيوت الصالحة) بينما يؤكد الفرنسيون فلسفتهم تجاه الاحلام فيقولون (كل سعادة لا تبلغها يداك ليست سوى حلم) ووحدهم الروس المبتلون دائما بواقع لا يريد ان يغادر مساحة البؤس والرداءة, يهربون من هذا الواقع الى الاحلام مصرين على ان الحلم اكثر ملاطفة من الاب والام . قد يكون الحلم شكلا آخر للحصانة والدفاع ضد كل ما هو ضدك, ولذلك يقول بعض علماء النفس احلم كثيرا تعش سعيدا, ومكمن السعادة في الحلم يأتي من كونه ارتقاء جميلا نحو حالة اجمل, ولا يرتقي الانسان الى الجمال إلا اذا تحرر من قيود الواقع والبيئة والطبيعة التي يرزح تحت ثقلها. والحلم ليس فقط تلك الرؤى والخيالات التي تنهمر من اعماق الروح والعقل لتنبت صورا ومشاهد تملأ الليالي الباردة, والمنامات المطمئنة والحلم ليس تعبيرا فجا او ايحائيا لرغبات مكبوتة, ضاق بها عالم النهار والبشر فاختبأت تحت الجفون والوسائد, الحلم رفيق عزيز وجميل ينمو معنا, يكون احيانا بعمر اعمارنا يصاحبنا منذ لحظة الميلاد حتى لحظة الرحيل, وكلما كنا اكبر من واقعنا كانت احلامنا عصية على حدود الميلاد وحدود الرحيل. من كان له حلم مهما كان هذا الحلم فليقبض عليه, بروحه وبقلبه وليتعهده بالرعاية كأنه زنبقة صغيرة او شجيرة فل عابقة, فالاحلام لا تضيع ولا تذبل, نحن الذين ننسى ان نرشها بماء الحياة كل صباح, ونتناسى ان نقول كل صباح, صباح الخير ايها الحلم الجميل. ليس صحيحا ان الاحلام لا تبني بيوتا صالحة, كما يقول الانجليز, فلولا احلامهم ما بنت بريطانيا يوما امبراطورية الشمس التي لا تغيب, المشكلة ليست في الحلم فهذا فكرة مجردة نحن الذين نكونها, نخلقها ننفخ فيها من روحنا فتصير عصفورا ابيض يملأ الفضاء جمالا, ينقر النوافذ ليدخل الى كل المساحات ينقر داخل القلب ليبسط مساحة الفرح والحرية, ويزلزل رتابة الواقع والايام والاعذار. اذا غادرتنا احلامنا ورحلت فنحن الذين دفعناها للرحيل, اوصلناها درجة اليأس, والاحلام لا تتصالح مع اليأس ابدا لا تحبه, كما انه لا يطيق غناءها يملأ سمع الكون لذلك تجدف بعيدا الى ارادات اقوى. نحن نتعلق بالاحلام التي تراودنا في منامات المساء الطويلة ويدفعنا فضول غريب لمعرفة تأويلها وتفسيرها, لنعرف حقيقتها ودلالاتها التنبئية, ونظل نسأل ونمني النفس: هل ستتحقق ام لا؟ ومتى؟ وكيف؟ هذه حقيقة ثابتة في كل انسان لا يستطيع احد ان ينكرها, ذلك ان الاندفاع وراء تفسير الحلم ليس إلا محاولة التماس وتماس مع ما فيها من معان مخبوءة وتنبؤات تكشف حجب الغد وتسكننا برد اليقين الذي يتمناه الكثيرون. في ظني الخاص ان ما يستحق هذا الاندفاع وهذا السعي لتحقيقه هو احلامنا التي ملأنا انفسنا بها حيثما ذهبنا وحيثما كانت لنا وجهة سير وترحال في المكان والزمان, هذه الاحلام هي ما تستحق ان نتلامس معها ونغرف منها, ونستقوي بها ولا نترك لأي نوع من الشراسة وقبح الواقع ان يتسلل اليها او يكسرها او يسلبها منا في حالة لا وعي او غيبوبة. احلامنا يجب ان تكون حصانتنا ضد التغييب والمصادرة, هذا أول تجليات الحلم.. والبقية تأتي دائما حيث تنهمر البدايات.