تصريحات (ليونيل جوسبان) رئيس وزراء فرنسا وزعيم الحزب الاشتراكي فيها, وما احدثته من ردود فعل عربية وفرنسية واسرائيلية, تحتاج الى تأمل عميق خارج دائرة الانفعالات اللحظية لتبرز حقيقة المرحلة الراهنة بالغة الخطورة للصراع العربي الصهيوني بأبعاده الدولية . بداية يجب ان يكون واضحا لكل العرب ان ما صدر عن (جوسبان) في القدس لم يكن (زلّة لسان) يمكن ان تمحى باعتذار, ولا مجاملة لمضيفيه الصهاينة يمكن ازالتها بمجاملة مماثلة للجانب العربي, بل كان ما أدلى به تصريحات صهيونية عنصرية مقصودة في زمانها ومكانها, وهي تعبر عن الموقف الحقيقي لقيادات الحزب الاشتراكي الفرنسي الذي كان دائماً (حصان طروادة) إلى قلب فرنسا لكل من الصهيونية والأطلسية معاً, ويتأكد ذلك من تاريخ هذا الحزب وعدائيته للعرب واستعداده للتفريط حتى بالمصالح الفرنسية لارضاء الصهيونية وواشنطن. ان هذه الحقيقة هي السبب الأهم الذي يفسر تراجع الاحزاب الاشتراكية وبروز الاحزاب اليمينية في اوروبا رغم اتساع الطبقات العاملة فيها, وهي نفسها التي تفسر ارتباك السياسة الفرنسية خلال العقود الاخيرة منذ ان حاول ديجول اعادتها الى رشدها عام 1967, ومروراً بكل مراحل تذبذبها حسب شخصية الرئيس ووزير الخارجية, وهو ما يفسّر ايضا الهزة التي اصابت باريس خلال الايام الماضية وظهور الصراع الرئاسي الوزاري الى العلن. ولقد كشفت وكالة الانباء الفرنسية هذه الحقيقة حين اوضحت ان (المقربين من ليونيل جوسبان لم يترددوا الخميس الماضي في القول انه اراد عمداً التمايز عن الخط التقليدي للسياسة الخارجية الفرنسية عندما اعتبر ان عمليات حزب الله في جنوب لبنان عبارة عن اعمال ارهابية) !! والواقع ان هذا الجزء الذي شغل الصحافة والاعلام العربي والعالمي هو الجزء الاقل خطورة من تصريحات جوسبان التي تعكس حقيقة تفكيره وتوجهاته بصفته الشخصية والحزبية معاً, اما الجزء الاخطر الذي تجاوز فيه جوسبان وقاحة الصهاينة وعدائية الامريكان المعلنة ضد العرب فهو ما قال فيه انه يعتبر (ارهابيا كل من يقوم بأي عمل ضد الجنوب والمدنيين الاسرائيليين معاً) هكذا دون تحديد لاي زمان ومكان, ومع التغافل المتعمد عن الحق المشروع للمقاومين دفاعاً عن ارضهم وحريتهم, وحتى حين سئل عن تصنيف ديجول حين قاتل النازي لم يجد رداً ابلغ من قوله (لا تعليق) !! ان جوسبان بهذا الموقف اهان كرامة فرنسا كدولة وكشعب, واحتقر الوطن الذي ينتمي اليه لحساب الصهيونية والاطلسية, ولا عجب والحال كذلك ان يكون عدائيا ضد الامة العربية وحقوقها المشروعة وحق مقاومتها البطلة في جنوب لبنان في تحرير ارضها ومقدساتها والدفاع عن كل امتها من المحيط الى الخليج. واستناداً الى هذه الحقائق فإن حجارة طلبة بيرزيت التي لاحقت الصهيوني جوسبان هي حجارة مقدسة تدافع عن العرب والفرنسيين وكل محبي الحق والعدل والسلام, كما تدافع عن القانون الدولي واحترام الشرعية وانسانية الانسان, وذلك رغم كل الاوصاف السلبية التي اطلقها المنافقون على شباب فلسطين النقي.