دائماً يلعب الزمن دوره في صياغة الاحداث, والتحكم في مسارها, تعجيلاً او تأجيلاً, او حتى الغاء. وغالباً ما يكون هذا الدور في خدمة طرف من أطراف النزاع أو الصراع, وعلى حساب الطرف الآخر وفق الظروف التي تحيط بالصراع, والعوامل الأخرى التي تتداخل معه, او تتدخل فيه , من شروط المكان ونوعية النزاع, والموازين المحلية والاقليمية والدولية, ولكن من النادر ان يخدم الزمن في آن واحد جميع الاطراف المنخرطين في الصراع, أو تلتقي مصالحهم عند نقطة زمنية واحدة. وربما كانت الحالة السورية ـ الاسرائيلية ـ الامريكية, من بين هذه المرات النادرة التي لعب الزمن فيها دوره في صالح الجميع. فسوريا استهلكت عقوداً من الزمن حتى تصل الى هذه اللحظة الزمنية التي رأت انها اللحظة المناسبة, سبقتها مصر, والفلسطينيون, والاردن, وكان الزمن يضغط عليها وبخاصة في فترة حكم نتانياهو, ولكنها استخدمته في المماطلة والمساومة, حتى استنفدت وقتاً ربما لم تكن هي تتوقع طوله. من جانبها رأت حكومة باراك, التي ارتبطت بموعد زمني اعلنت فيه التزامها بالانسحاب من الجنوب اللبناني في صيف العام ألفين, ان هذا الالتزام لا يمكن تنفيذه دون الاتفاق مع سوريا قبل ذلك, ومن ناحية اخرى, وهو ما أعلنه باراك ايضاً, ادركت اسرائيل أنها بحاجة الى قائد سوري بوزن الرئيس الأسد ليكون قادراً على توقيع اتفاق معها, والالتزام بشروط التسوية على الجبهتين السورية واللبنانية, وان عدم استغلال وجوده في الحكم, قد يحرمها من تسوية قريبة مع سوريا ولبنان, نظراً لأن أي خليفة له, لن يكون قادراً على تحمل تبعات التسوية والتزاماتها, كما ان التأخر في إبرام تسوية مع سوريا قد يدفع بها الى تنشيط ادوات وقوى تملك زمامها, للمشاغبة على عمليات التسوية مع الفلسطينيين وغيرهم, وقد يدفع بها الى استخدام ثقلها في تعطيل عمليات التطبيع العربي المتسارعة باتجاه اسرائيل. وأما الادارة الامريكية التي تستعجل الزمن لاستكمال مشروع هيمنتها الدولية, ونظامها الدولي الجديد, والتي تشكل مصالحها في الشرق الاوسط, وأمن اسرائيل, ركيزتين أساسيتين في سياستها الكونية, فإنها تود اغلاق ملف عملية التسوية في الشرق الاوسط على أبواب الانتخابات الامريكية, وقبل رحيل الرئيس كلينتون عن سدة الرئاسة, لتضيف هذا النجاح في سياسته الخارجية الى نجاحاته في السياسات الداخلية, التي شكل انتعاش الاقتصاد الامريكي ابرز سماتها, فتكون المحصلة ضمان نجاح الديمقراطيين في الكونجرس ومرشحهم الرئاسي في الانتخابات المقبلة. وهكذا نلحظ تقاطع مصالح الأطراف الثلاثة عند نقطة زمنية واحدة, مما سرع في الاعلان عن الاتفاق على مواصلة المفاوضات السورية الاسرائيلية, ونقلها مباشرة الى هذا المستوى الرفيع من المسئولين, مما يوحي بأن القسم الأكبر من موضوعات المفاوضات قد تم انجازه قبل الاعلان. وقد يكون الطرف الفلسطيني هو الجانب الوحيد الذي خذله الزمن, بحيث مضى عليه حتى الآن أكثر من ست سنوات, قضاها في مسيرته التفاوضية, دون ان ينجز الا أقل القليل, ليس فقط لأن قضيته أكثر تعقيداً, وموضوعاتها أكثر تشعباً, وطبيعة الصراع حولها اكثر حدة واختلافاً, وليس لضعف في المفاوض الفلسطيني او قلة في كفاءته, ولكن الخلل في أساس التفاوض, ومنطلقاته, والنهج السياسي المتبع فيه, وتعدد المراحل التي انساق اليها, والتي لعب الزمن ايضاً دوراً سلبياً فيها, حين جرى الاخلال بكل المواعيد, التي وضعت لها, فالأساس الذي ينطلق منه التفاوض على المسار الفلسطيني, يفتقر الى عنصر جوهري وهو عدم الاقرار الاسرائيلي بأن الأرض التي يجري التفاوض على انسحابه منها هي أرض فلسطينية. واسرائيل تعترف بالفلسطينيين كسكان, ولا تعترف بفلسطين كأرض, وتتفاوض على حكم فلسطيني للسكان, وليس على حق الفلسطينيين في السيادة على الأرض, بينما شكلت هذه القضية نقطة الارتكاز في الحوار السري والعلني, المباشر, وغير المباشر, بين السوريين والاسرائيليين, وعبر الوسطاء الامريكيين والاوروبيين. فقد استهلكت سوريا القسم الاكبر من سنوات التفاوض ـ وهو ما يشهد لها به, وبطول نفسها ـ في إرغام اسرائيل على الاعتراف بأن الجولان أرض سورية لا حق لاسرائيل فيها, وان اي تفاوض مع اسرائيل لا يمس هذا الحق, وانما ينطلق منه, وان التفاوض يتم على شروط الانسحاب, وتوقيتاته, وترتيبات السلام التي تطالب بها اسرائيل وحجمها, مرهونة بترتيبات الانسحاب وحجمه, وقد نجحت سوريا في اقناع العالم بحجتها, مما دفع اسرائيل للتسليم بذلك. ومن المفارقات المؤلمة التي تخيم على الوضع العربي, بسبب تشرذمه وتفرد اطرافه, كل على حدة, في معالجة قضية الصراع العربي الاسرائيلي الواحدة, أن الزمن الذي قد يخدم هذا الطرف العربي او ذاك, كما نلاحظ في المسار السوري, سيستخدمه الجانب الاسرائيلي والامريكي سوطاً مصلتاً على ظهر المفاوض الفلسطيني يجلده به, ويبتزه, فستعمد اسرائيل الى استخدام اي تقدم على المسار السوري, ولاحقاً اللبناني, كعامل ضغط على الجانب الفلسطيني, موهمة اياه بأنه اذا لم يقدم التنازلات المطلوبة منه, فسيبقى وحيداً, وسيضطر في النهاية الى تقديم تنازلات اكبر. ولمواجهة مثل هذه الحالة, على الجانب الفلسطيني اولاً الا يخضع لهذا الابتزاز, والا يصاب بالذعر من الزمن, والا يستمع لكل النصائح أو التخويفات التي قد تأتي من داخل الصف الفلسطيني أو خارجه, والا يستهين بأوراق القوة التي بين يديه, والتي يدركها خصومه الاسرائيليون وحلفاؤهم الامريكيون, فقضية الصراع في الشرق الاوسط هي القضية الفلسطينية أساساً, وبدون حل هذه القضية لا تسوية و لا سلام في المنطقة, حتى لو وقعت اسرائيل اتفاقيات مع جميع الأطراف العربية, بل ان صمود الطرف الفلسطيني, وتمسكه بحقوقه, وعدم توقيعه على التنازل عنها قد يحرج جميع العرب, وقد يدفعهم وبرغم الضغوط الامريكية الى اعادة النظر في الكثير من سياساتهم, وقد يكون هذا الصمود مدخلاً لاعادة التنسيق العربي ولو بحده الادنى, فالاتفاقات العربية الاسرائيلية التي وقعت, أو التي ستوقع هي اتفاقات تسوية وليست اتفاقيات سلام, حتى لو كانت تحمل هذا الاسم, فالسلام ابعد من ذلك اقتصادياً وأمنياً وعسكرياً, وهو لم يتحقق بعد, لأنه مرتبط بجوهر الصراع, القضية الفلسطينية. واذا كانت اعتبارات معينة, قد أملت ارتباط المسارين السوري واللبناني, فليس هناك ما يمنع ارتباط أو تكامل المسارين السوري والفلسطيني, بغض النظر عن الحساسيات القائمة بين الطرفين, وبغض النظر عن تفرد الطرف الفلسطيني بمساره, واستباقه للآخرين, فمصالح سوريا, وأمنها لا يرتبطان فقط بلبنان, بل ربما كان ارتباطهما بفلسطين أكبر, ذلك ان اساس الخطر يأتيها من استمرار احتلال فلسطين وهو أمر يضعها وجهاً لوجه أمام مسئولياتها القومية.