المؤتمرات والندوات المتواترة التي تعقد في عواصم عربية واسلامية برعاية مؤسسات اكاديمية غربية بشأن تحرير المرأة أو اوضاع المرأة والطفل أو مستقبل الاسرة لا يجوز ان ننظر اليها إلا بعين الريبة, فمؤسسة الاسرة في المجتمع الغربي تتلاشى بصورة درامية, واذا كان من المفترض أن ما تهدف اليه المؤسسات الاكاديمية الغربية عند نهاية المطاف هو استزراع القيم الغربية بشأن المرأة والاسرة في المجتمعات العربية والاسلامية فان الامر يرقى إلى مستوى تآمر. ان الاسرة كوحدة اجتماعية في الغرب تتفكك سراعا كنتيجة لظاهرة (تفشي الجنس) التي انطلقت في ستينيات القرن الماضي والتي كانت بدورها افرازا لابتكار حبوب منع الحمل وتداولها شعبيا دون قيود, فقد كان ذلك الاختراع ايذانا بمرحلة تاريخية من الاباحية الجنسية الكاملة بين اجيال الشباب المتعاقبة حتى اليوم, والان تعيش المجتمعات الغربية الاثار السالبة الاجتماعية المترتبة على الممارسة الاباحية كقيمة (مقدسة) من قيم الحرية الفردية, واخطر هذه الاثار على الاطلاق انهيار مؤسسة الاسرة. وخير ما يمثل هذا الخطر الاجتماعي ظاهرة انتشار (مختبرات فحص الابوة) ولنتأمل المثال التالي: نقلت الصحافة البريطانية عن علماء يعملون في بعض (مختبرات فحص الابوة) ان احد هذه المختبرات يتلقى اكثر من عشرة آلاف طلب سنويا لاجراء فحوصات التأكد من الابوة, ويقول متحدث باسم المختبر انه في حوالي واحدة من كل سبع حالات يكون الاب المفترض الرجل الخطأ, ويقول: ان من المفاجىء كم مرة تخطىء الام في الشخص الذي تعتقد انه اب لطفلها. ويمضي عالم المختبر في سرد ملاحظاته المستقاة من واقع الحالات التي يتعامل معها فيقول: ان انهيار الزيجات وازدياد الولادات خارج المؤسسة الزوجية زادت من الخلافات حول ابوة الاطفال والرغبة في اجراء الفحوص الطبية للتأكد من الاب الحقيقي. ولا نحتاج لقدر كبير من الجهد الذهني لتصور الاثار النفسية التدميرية على اعضاء اسرة حين يكتشفون ان الاب ليس هو الاب الحقيقي, في آن معا تلقي هذه الحقيقة القبيحة بظلها الثقيل على العلاقة بين الرجل و(الابن) لتحولها إلى علاقة حقد عدائي متبادل, وفي الوقت نفسه تنتقل علاقة الزوج بزوجته إلى دائرة التشكك المستديم, يقابل ذلك ان تفتقد الزوجة مشاعر الحب نحو الزوج بعد ان تكون قد اكتشفت ان والد ابنها رجل آخر ـ ربما يكون شخصية مجهولة من بين العديدين من الرجال الذين عاشرتهم خارج اطار مؤسسة الزواج. في وضع كهذا تنتهي الاسرة كخلية اجتماعية, ومع تلاشي الخلايا الاساسية يتفكك النسيج الاجتماعي العام, وهكذا تنشأ أجيال جديدة متعاقبة من الشباب المشبعين بالمشاعر العدوانية. لقد بت ارتاب في اي مؤتمر حول المرأة أو الطفل أو كليهما تتبناه هيئة غربية سواء كانت مؤسسة اكاديمية أو (خيرية) أو حتى من مؤسسات الامم المتحدة, فباسم (تحرير المرأة) هناك فيما يبدو هدف غربي غير معلن هو استزراع القيم الاجتماعية الغربية في المجتمعات العربية بغرض نسفها من اساسها.