سيطرت تصريحات رئيس الوزراء الفرنسي (ليونيل جوسبان) المستفزة للعرب وللبنانيين خاصة, على معظم وسائل الاعلام في كل أنحاء العالم, واعتبر الحدث الأكثر سخونة على جدول أعمال قصر (الاليزيه) في باريس الذي سينشغل (سيده) جاك شيراك طويلا بمعالجة آثاره الطائشة التي سببتها تصريحات رئيس حكومته أثناء زيارته للأراضي المحتلة. من هنا من الطبيعي جداً أن يشعر (جاك شيراك) بالحرج, لان هذه التصريحات فجرت أزمة غير محسوبة تماما, وفي هذا الوقت الحرج, كما انه من الطبيعي أن ينفجر الشارع اللبناني غضبا, وأن يقول رئيس الحكومة اللبنانية سليم الحص للسفير الفرنسي في بيروت: ان كلام رئيس حكومتكم خطير ويصعب تصديقه. معتبرا كلامه هذا رسالة احتجاج للحكومة الفرنسية. وفي السياق ذاته, فإن احتجاجات طلاب جامعة (بيرزيت) الفلسطينية, في مكانها تماما, وهتافاتهم المناهضة التي استقبلوا بها الوزير الفرنسي متوقعة من أبناء شعب تسحقه (اسرائيل) يوميا بأقدامها وعنجهيتها ثم يأتيها رئيس حكومة دولة أوروبية تقول عن نفسها بأنها بلد النور والديمقراطية والاخاء والمساواة ليفجر في وجوههم تصريحه الصارخ: (إن فرنسا تدين هجمات حزب الله وكل الهجمات الارهابية التي يمكن أن تشن ضد جنود أو سكان اسرائيليين) , ثم يمعن في تحديه لكل الأعراف والمشاعر قائلا: نثق بأن باراك يرغب في السلام وان (إسرائيل) هي الديمقراطية الوحيدة في المنطقة. أما على صعيد (ليونيل جوسبان) فالرجل له حساباته الخاصة التي جعلها فوق مصالح بلاده بشكل يدعو للاستغراب, حيث ان (جوسبان) ينتظر معركة الانتخابات الرئاسية وعينه على (الاليزيه) وكذلك على الأصوات والأموال اليهودية الفرنسية, وعليه فإن تصريحاته ليست سوى غزل ـ ليس عفيفا ـ لإسرائيل, لكنه غزل (كارثي) سيحاول الرئيس شيراك التخفيف من آثاره المدمرة بالتصريح القريب بأنه هو من يحدد سياسات فرنسا الخارجية وليس أي أحد آخر - لامتصاص الأثر وردة الفعل العربية. (جوسبان) قالها ذات يوم بأن (مجزرة) قانا ليست سوى دفاع إسرائيلي جاء في محله! وقبلها أعلن تأييده نقل العاصمة الإسرائيلية للقدس ومواقف أخرى كثيرة مؤيدة وواضحة. يتبقى على الجانب العربي ألا يكتفي بالشجب ضد ما قاله جوسبان, لكن المفاجئ هذه المرة ان (ختيار) غزة السيد عرفات أمر بغلق جامعة (بيرزيت) قمعا لمظاهرات الطلبة, واستقبل جوسبان بحرارة شادا على يديه بقوة, (شاجبا) موقف الطلاب وممعنا هو الآخر في كرمه المعهود فقام بتقليد رئيس الوزراء الفرنسي وسام صليب بيت لحم الكبير! تكريما على تصريحاته! المفارقة الثانية جاءت عندما توجه أحد الصحافيين بسؤال للناطق باسم الخارجية الفرنسية حول ما إذا كانت فرنسا اليوم وعلى ضوء تصريح رئيس حكومتها تعتبر الرئيس الراحل (شارل ديجول) ارهابيا كونه حمل الفرنسيين على مقاومة الاحتلال النازي لبلادهم؟ فكان الرد (لا تعليق). في ملابسات تصريحات جوسبان العبثية كثرت عبارة (لا تعليق) إلا (إسرائيل) التي استثمرت التصريحات بمزيد من الضربات على لبنان.