شريط الفيديو الذي بثته شبكة الـ (بي. بي. سي) لا يظهر فقط نوعية الفظاعات التي يرتكبها الجنود الروس ضد المدنيين الآمنين في الشيشان, وانما يبرز أيضا حجم الجرائم التي ارتكبتها الدول الكبرى بحق كل من الشيشان وروسيا معا, حين تغاضت عما ترتكبه قوات بوتين تجاه هذا الشعب المصمم على نيل حريته وكرامته وحقه في تقرير المصير. فطوال بضعة أشهر ماضية ظلت احدى القوى الكبرى العالمية تستخدم أفتك أسلحة الدمار البرية والجوية والصاروخية ضد شعب صغير لا يصل عدد سكانه إلى مليون نسمة, والغريب ان موسكو تبرر عدوانها واسع النطاق بأن الشيشان جزء من الاتحاد الروسي, وان شعب الشيشان جزء منها, ومع ذلك لم تتردد في اتباع سياسة الأرض المحروقة وارتكاب عمليات القتل والاغتصاب, وحتى استئصال المدن والقرى بما في ذلك العاصمة جروزني نفسها التي تم تدميرها عن آخرها, وتتجه موسكو إلى ازالتها من الخارطة!! وبالمعيار الروسي نفسه فإن كل الجرائم المرتكبة على أرض الشيشان هي في الوقت نفسه جرائم ضد روسيا نفسها قبل ان تكون جرائم ضد الانسانية, وهي في الوقت الذي أدت فيه إلى قتل وابادة وتشريد شعب كامل فإنها أيضا سممت الشعب الروسي في تعامله مع ذاته, ودفعته باتجاه التحول إلى قوم من القتلة والمقتولين, واستنزفت جزءًا كبيرا من الطاقة والامكانيات في حرب لا تؤدي في النهاية إلا إلى مزيد من إضعاف روسيا وتشويه شعبها وتاريخها وزرع روح الانتقام لدى الأقليات المضطهدة فعلا أو المعرضة للاضطهاد, بما قد يفتح دوامات لحروب لا تنتهي في هذا الاتحاد الروسي الذي تتربص به قوى دولية تسعى لازالته عن خارطة الدول الكبرى. ولعل التحليل السابق نفسه هو الذي أدى بعواصم الغرب إلى ان تصبح صما وبكما وعميا وهي ترى ابادة هذا الشعب الشيشاني الصامد العظيم تتكرر أمام ناظريها, وبينما تتلطى وراء أحاديث لا تخلو من الأوهام حول محرقة اليهود في الحرب العالمية الثانية فإنها تغاضت وتتغاضى عن محرقة الشيشانيين التي تكررت ثلاث مرات خلال نصف قرن, في الحرب العالمية الثانية خلال عهد ستالين وفي (1994 ـ 1996) أثناء عهد خليل الغرب سيئ الذكر يلتسين, والآن في عهد بوتين ومن أجل انتخابه رئيسا!! الأخطر من ذلك ان الغرب لم يكتف بالصمت الآثم تجاه ما جرى ويجري في الشيشان, وانما لجأ إلى مقايضات مدانة كالصمت الروسي عن إبادة العراق بالحصار مقابل الصمت الأمريكي عن ابادة الشيشان بالحديد والنار, والخلاصة هي مزيد من تسميم عالم القرن الحادي والعشرين بجرائم الابادة والقتل التي تشرف على ادارتها العواصم الكبرى. لكن هذه العواصم ستكون واهمة إذا تصورت أنها تحقق انتصارات بابادة الضعفاء, فالدم يستسقي الدم, وشهوة القتل وجرائمه سترتد في النهاية على كل من نفذوا هذه الجرائم ومن رعوها ومولوها بالمساعدات المالية, ومن عموا وصموا عنها وخرسوا عن ادانتها.. فتلك من سنن الله في خلقه.