كان السفراء العرب في واشنطن ينتظرون في قاعة الاستقبال في وزارة الخارجية الامريكية دخول الرئيس ليندون جونسون على احر من الجمر كي يعبروا له عن مشاعرهم الغاضبة من المساندة الامريكية لاسرائيل في حرب يونيو 1967 التي انتهت بهزيمة ساحقة للعرب واحتلال اراضيهم في اقل من ست ساعات .. لكن السفراء العرب فوجئوا بدخول جونسون عليهم وهو يمسك بوثاق من الجلد يقود به كلبه الذي سبقه الى الدخول.. وبدلا من ان يتحدث جونسون اليهم تحدث الى كلبه المدلل بيجل. قال جونسون لكلبه بالحرف الواحد: (اسمع يا بيجل.. حكاية رجل شرير تخانق مع جاره الطيب متصورا ان هذا الجار لا يستطيع الرد عليه.. ولكن الجار الطيب يا بيجل استجمع قواه ولكم جاره الشرير لكمة قوية طرحته على الارض.. له حق يا بيجل.. أليس كذلك؟.. لماذا يحق لاصحاب هذا الرجل الشرير ان يشكو للآخرين؟.. ما هو رأيك يا بيجل؟ وحسب رواية محمد حسنين هيكل كاد يغمى على بعض السفراء العرب المدعوين.. بل وكاد يغمى على بعض السفراء الامريكيين الحاضرين.. وان تكلف بعضهم ابتسامة مغتصبة.. ثم قام جونسون وبيجل لا يزال يسبقه. كانت هذه الصورة القاسية والمهينة للشماتة تعكس حجم الهزيمة العربية التي بدأت بغارات جوية من 492 طائرة اسرائيلية على 3 موجات في 3 ساعات ضاع فيها 170 طائرة حربية مصرية وهي على الارض وهو ما قرر مصير الحرب في الساعات الاولى.. ان الارض لم تضع فقط وانما 16 ألف جندي تاهوا في سيناء لا يعرف احد مصيرهم وقد قايضت اسرائيل عليهم بعربات محملة بالبطيخ.. كما فقد الجيش المصري 900 مدفع و700 دبابة و8000 سيارة عسكرية... وبدت العاصمة بغير حماية فالطريق من السويس الى القاهرة لا تحميه اكثر من 60 دبابة عتيقة. في هذه الظروف تولى الفريق الاول محمد فوزي مسئولية القائد العام للقوات المسلحة.. لقد استدعاه جمال عبدالناصر ـ الذي ارتفعت درجة حرارته فجأة دون ان يعرف الاطباء سببا لذلك ـ في صباح يوم الاحد 11 يونيو وكلفه بأصعب مهمة في تلك الايام.. اعادة بناء وتنظيم القوات المسلحة.. وانقاذ ما تبقى من الاوضاع في سيناء.. ورفع الروح المعنوية والقتالية.. والاعداد اللازم لخوض حرب تحرير جديدة.. تحت شعار (ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة) . والفريق محمد فوزي من ألمع ضباط المدفعية المضادة للطائرات.. وقد استخدم مدافعه الموجهة للسماء في اول مهمة قتالية ارضية في حرب فلسطين.. فقد فتح بهذه المدافع حصنا يهوديا كان منيعا في (دير سنيد) وجرى ذلك على مسئوليته الخاصة.. وهو ما بدأت المدارس العسكرية في العالم تدريسه فيما بعد.. كما انه كان عضوا في خلية جمال عبدالناصر في تنظيم الضباط الاحرار.. وقام عبدالناصر ايضا بالتدريس له في كلية اركان الحرب.. وقد ادار الفريق محمد فوزي الكلية الحربية في وقت من الاوقات.. وفي اثناء حرب يونيو كان رئيسا للأركان.. لكنه لم يكن يفعل ـ في مؤسسة عسكرية تحولت لعزبة شخصية ـ سوى تناول الشاي والقهوة وتدخين السجائر.. وقد عرفت من سامي شرف انه لم يكن يقبل بذلك وقال (انا لست طرطورا) وسعى لتقديم استقالته في عام 1966 لكن جمال عبدالناصر وعده بأن كل شيء سيتغير في نهاية ذلك العام.. على ان تصاعد المواجهة المسلحة في اليمن أجل القرار.. ثم كان ما كان في يونيو 1967.. فجاء الفريق فوزي على رأس القوات المسلحة في ظروف حرجة لم تجد نفسها فيها من قبل.. وكن ساعده الايمن صديقه ودفعته الفريق عبدالمنعم رياض الذي تولى رئاسة الاركان.. وكان في الاردن قائدا للقوات العربية المشتركة.. وقد استشهد فيما بعد وهو يتفقد الخطوط الامامية لجبهة القتال. واتذكر انني سعيت لمقابلة الفريق محمد فوزي وانا اجهز مادة كتابي عن (النكتة السياسية) وسألته عن تفسيره لظاهرة جلد العسكريين المصريين بعد الهزيمة بسياط التنكيت.. سألته عن المهربين الذين نزعوا رتبة فريق اول وضعوا بدلا منها رتبة فكيك اول.. لماذا تحول شعار (اضرب.. اضرب) الى شعار (اهرب.. اهرب) .. ولماذا اضفنا لاغنية (قولوا لعين الشمس ما تحماشي (جملة) احسن الجيش المصري راجع ماشي) ؟ قال الفريق محمد فوزي لي: (ان هذه النكات كانت سخرية بأثر رجعي من القيادة العسكرية المصرية التي تكبرت وتجبرت على الناس وتدخلت فيما لا يعنيها وتركت ما يعنيها .. وعندما سقطت في قاع الهزيمة سخر الشعب منها.. ثم انها كانت واجهة سيئة ومخيفة.. لكن ذلك لم يستمر طويلا فقد كف المصريون عن السخرية من ابنائهم في القوات المسلحة بعد ان استثمرت اسرائيل هذه الحالة في مزيد من توجيه الاهانات لنا وبعد ان طلب جمال عبدالناصر من الشعب ان يكف عن التنكيت.. ثم ان العسكرية المصرية ازالت ما علق بها من غبار بالبطولات والتضحيات والمعجزات في حرب الاستنزاف) . ان هذا الرجل الصارم المتجهم القادر على تنفيذ الامر بدقة متناهية والموهوب في اختيار رجاله ومساعديه كانت مهمته تتجاوز الاسلاك الشائكة التي تحوط القوات المسلحة الى الاسلاك الشائكة التي ولدت ونمت في نفوس المصريين بسبب الهزيمة.. لقد ارتفع عدد ضحايا الامراض النفسية والعصبية والعقلية من 50 ألف في عام 1966 الى 66 ألف في عام 1967 الى 79 ألف في عام 1968 الى 140 الف في عام 1970 و (زاد الى حد الهوس معدل استهلاك المهدئات والمنبهات والمنشطات الجنسية.. وزادت حالات العنف والانتحار وزادت جرائم العنف بصورة واضحة بين عامي 67 ـ 1968 زادت جرائم القتل بنسبة 31% وزادت جرائم الضرب الذي افضى إلى الموت بنسبة 25% وزادت حالات السرقة المصحوبة بعنف بنسبة 91%.. وسجلت جرائم الاغتصاب وهتك العرض زيادة بنسبة 12% وكان حوالي 30% ممن ارتكبوا هذه الجرائم من الشباب ما بين 20 ـ 30 سنة وسجلت معدلات الانتحار في هذه المرحلة العمرية زيادة بنسبة 43% حسب الدراسة الشهيرة التي اجراها الدكتور عمر شاهين عن الناس في مصر بعد الهزيمة. لكن نفس الدراسة تعود وتشير إلى تراجع في بعض هذه الأرقام بعد ان بدأت حرب الاستنزاف توجع العدو الاسرائيلي, وترفع من الروح المعنوية للشعب والجيش معا, لقد كانت استفزازات الجنود الاسرائيليين على الضفة الأخرى لقناة السويس لا تطاق.. كانوا يرقصون عراتا, ويتبادلون القبلات بأمر من وزير الدفاع موشيه ديان مع المجندات, وراحت المجلات الغربية تنشر صورا لجنودنا في سيناء في أوضاع كانت توجع القلب, وتجعل الدماء تغلي في العروق, ان ذلك قد تراجع كثيرا بعد ان شنت مصر حرب الاستنزاف التي كان عقلها الفريق محمد فوزي وضميرها حوالي نصف مليون جندي كانوا يشعرون ان الموت هو الغطاء الوحيد لهم أو هو طوق النجاة الوحيد أمامهم. وقد حظي الفريق محمد فوزي بتعبير (العسكرية الناشفة) أي العسكرية الشديدة الصرامة أو الشديدة القوة.. وهو ما أعطى انطباعا غير حقيقي عنه, فالذين يعرفونه عن قرب لا يملون من حديثه الشيق.. ولا من خفة ظله في التعليق على كثير من الاحداث والشخصيات. ان هذه الصورة المغايرة لما هو سائد عنه لا تنفي انه كان في عمله كالسيف, لا يقبل أنصاف الحلول, ولا يتعامل مع أنصاف الرجال. لقد فهم ان السلاح بدون رجال يتحول إلى قطع من الحديد تضيع في رمال الصحراء, أو تصل سالمة إلى يد العدو, فيحولها إلى عرض عسكري يضاعف من شعورنا بالمهانة. كان عليه صهر الرجال واعادة تشكيلهم في صورة مقاتلين, لا فرق بين جندي وضابط, فالكل يجب ان يكون فاهما واعيا متعلما مؤهلا للتعامل مع الأسلحة الحديثة, والحروب الحديثة, ولو كان السلاح متخلفا.. كما كان أحيانا فإن المقاتل صاحب القضية يقدر على ان يضفي عليه قيمة روحية تعوض تراجع قيمته التكنولوجية. لكنه لم يكن يتردد في الحصول على الأسلحة الحديثة حتى من الغرب الذي كان معاديا لمصر في ذلك الوقت, لقد روى لي فتحي الديب انه كان في ليبيا عندما طلب منه الفريق محمد فوزي شراء صفقة طائرات الميراج والميستير لدعم القوة القتالية لسلاح الطيران, وقد استخدم فتحي الديب خبرته في أعمال المخابرات وأرسل شبيها له للتفاوض مع الفرنسيين حتى لا يتعرض للموت بسبب مساندته لثوار الجزائر.. وقد تمت الصفقة على أنها لليبيا.. وذهب وفد من الطيارين المصريين للتدريب عليها في قاعة عسكرية فرنسية بعد ان تنكروا في شخصيات ليبية.. وحملوا جوازات سفر من هناك.. وجرت تحت نفس الغطاء صفقة (الغوصات الطوربيدية) وهي تتسع لشخص واحد يندفع بها حتى مسافة محددة من الهدف.. وفي اللحظة التي يشتعل فيها الطوربيد يقفز قائده في الماء.. لقد جرت معجزات خفية من اجل استكمال النقص في الاسلحة المطلوبة للحرب.. وان لم ترق لمعجزات الرجال الذين حاربوا بها. كان جمال عبدالناصر يتابع كل ما يجري كل ثلاثة شهور.. وقد انتهت القوات المسلحة من خطة الدفاع (2000) الى خطة الهجوم (جرانيت) في عام 1970.. وكان آخر عرض قام به الفريق محمد فوزي على جمال عبدالناصر في 8 اغسطس عام 1970 في مرسى مطروح.. ولم تمر سوى اسابيع قليلة حتى كان جمال عبدالناصر في ذمة الله. وقف الفريق محمد فوزي مع الشرعية وساند وجود انور السادات على رأس السلطة.. وواصل مهمته في تجهيز القوات المسلحة لتحرير سيناء.. وفي يوم 11 مايو 1971 تلقى (التمام) من قادة الاسلحة بأن الجيش جاهز للحرب.. وفي اليوم التالي ذهب بدوره الى انور السادات وقدم له (تمام) الحرب.. ولكن كما قال لي الفريق محمد فوزي فيما بعد شعر ان انور السادات غير متحمس للحرب.. وانه كان يتصور ان المشكلة يمكن ان تحل بالمفاوضات والحلول السلمية.. وانه كان يعطي الولايات المتحدة الامريكية فرصة لكي تلعب دورا.. وكان تبريره ان المشكلة كانت بينها وبين جمال عبدالناصر وليست بينها وبينه هو.. وكأن المشكلة كانت شخصية وليست سياسية.. فكان ان خرج الفريق محمد فوزي من عنده وراح الى مكتبه وكتب استقالته.. وارسل هذه الاستقالة لواحد من تلاميذه في المدفعية هو محمد فائق. لم تمر ساعات حتى جرت احداث 15 مايو 1971.. ووجد الفريق محمد فوزي نفسه امام محكمة عسكرية بتهمة (الخيانة العظمى) .. وحكمت المحكمة على القائد العام للقوات المسلحة ووزير الحربية وقائد عام الجيوش العربية المواجهة لاسرائيل بالسجن والاشغال الشاقة لمدة 15 سنة.. وكانت صدمة غير متوقعة لقوات مسلحة على وشك القتال.. كما ان ثلاثة ارباع رجالها كانوا من تلاميذه في مدرسته العسكرية (الناشفة) . وللانصاف فان انور السادات قد اطلق سراحه بعد حرب اكتوبر 1973.. وحسب رواية الفريق محمد فوزي فان انور السادات استدعاه بعد الافراج عنه وقابله في استراحة (برج العرب) يوم 2 سبتمبر 1974 وكان هدفه من المقابلة هو رفع المعاناة النفسية التي تعرض لها في السجن. كان اول ما قاله انور السادات له (بصمت لهم ياسي فوزي) وكان يقصد بهم رجال عبدالناصر الذين اطاح بهم في احداث مايو.. وكان رد الفريق محمد فوزى: (ما هو سيادتك السبب فيما حدث.. يعني توافق على الاستعداد لبدء القتال وتحدد يومه ثم تخذلنا في آخر لحظة وتضعني في موقف حرج امام القادة والجنود.. وعاوزني استمر معك) .. وعاد انور السادات يسأله: (بذمتك يا فوزي عبدالناصر كان حيحارب؟) وراح الرجل يشرح ويفسر ويجيب ويبدو ان انور السادات لم يعجبه ان يرد عليه بصراحة وصرامة.. فكان ان قال له باسلوب تمتزج فيه السخرية بالجدية: (انت يافوزي باين عليك عايز ترجع السجن تاني) . وحسب ما نشرته جريدة (العربي) الناصرية فان انور السادات استقبل الفريق محمد فوزي مرة اخرى في 6 يناير 1976 في استراحة القناطر ايضا.. وكان الهدف هو المعاونة في كتابة تاريخ ثورة يوليو 1952 وهزيمة يونيو 1967 واستغرقت المقابلة حوالي الساعتين ولكن الفريق محمد فوزي رفض هذا الاسلوب في كتابة التاريح.. وقال لانور السادات: (التاريخ يافندم لايكتب بطريقة سين.. جيم.. انا احتاج الوقت الكافي لمراجعة ذاكرتي واوراقي وزملائي) .. وهو ما فعله فيما بعد عندما نشر افضل المذكرات العسكرية عن الهزيمة وحرب الاستنزاف وان لم يمنعه ذلك من الادلاء بشهادته امام لجنة كتابة التاريخ في 21 يونيو 1976 وكانت لمدة 6 ساعات. لقد كان الفريق محمد فوزي رجلا.. والرجولة في هذا الوطن نهر لايتوقف عن الجريان.. ومهما حاولنا نفيها فانها سرعان ما تفرض وجودها ولو في زمن آخر غير زمانها.. فلا احد يقدر على احتكار التاريخ لحسابه.. فالتاريخ يرفض مبدأ الملكية المطلقة.. وعقود الايجارات الطويلة الاجل.