مثلت مظاهرات بيروت، التي امتدت ثلاثة ايام متتالية، عقب العدوان الاسرائيلي على لبنان، ظاهرة توعية ذات دلالات عميقة، كادت تختفي ـــ قسرا ـــ في عالمنا العربي، وذلك في توجهها الاساسي ضد الولايات المتحدة، وضد بوق الهيمنة الامريكية واللوبي الصهيوني »السي ان ان« التلفزيونية ومعلوم ان الموقف الامريكي الرسمي من العدوان الاسرائيلي الهمجي على لبنان تكرر بتحد سافر على لسان المسئولين الامريكيين، بدءا بمارتن انديك، السفير الامريكي في اسرائيل، ومرورا بمادلين اولبرايت وزيرة الخارجية، وانتهاء بالرئيس كلينتون نفسه، وقد مثل هذا الموقف استفزازا مكشوفا وتجنيا على الحق والحقيقة بلغ حد الاستهتار والازدراء، حين دان من يدافع عن ارض ووطنه ضد جيش محتل، بينما برر ـــ هذا الموقف ـــ الغارات الهمجية على الاهداف المدنية وزرع القتل والدمار وفرض الظلام على اكثر من نصف الشعب اللبناني، مما يعيد الى الذاكرة سياسة الارض المحروقة التي مارسها الامريكيون انفسهم في فيتنام، والهتلريون خلال الحرب العالمية الثانية. وبتشجيع من هذا الغطاء الامريكي المتحيز، اطلق وزير الخارجية الاسرائيلي، ديفيد ليفي، تهديداته »بحرق لبنان« وجرى الاعلان عن تشكيل طاقم ثلاثي برئاسة باراك مخول باصدار اوامر الضرب وتحديد اهدافه وصرح رئيس الاركان الاسرائيلي بضرب القرى اللبنانية الآهلة بالسكان المدنيين العزل، وطبعا فان كل ذلك لم يثر حتى كلمة عتاب من واشنطن »راعية« عملية السلام في المنطقة! وبطبيعة الحال، فان مرد هذا التحيز السافر ناجم عن ادراك واشنطن لواقع النظام العربي وعجزه عن اي رد فعل جدي ضد العدوان الاسرائيلي المدعوم امريكيا، وبالفعل فقد تجلى واقع النظام العربي هذا في ان دولة عربية واحدة لم تخرج لشجب هذا التجني الامريكي على الحق العربي والتحيز الصارخ لصالح العدوان الاسرائيلي، بل واكثر من ذلك ففي الوقت الذي كانت الطائرات الاسرائيلية تزرع الموت والخراب في لبنان، كان وزير خارجية دولة عربية في زيارة لاسرائيل للاتفاق على رفع مستوى تمثيل بلاده مع اسرائيل! وبعد الغارة مباشرة كانت عواصم عربية اخرى تستقبل مبعوثين اسرائيليين! ولعله من هنا أهمية ومغزى مظاهرات بيروت التي عبر فيها طلبة لبنان وشعبه، بحسهم الوطني السليم، عن مسئولية الولايات المتحدة الاساسية عن جرائم اسرائيل في المنطقة، فهي التي تمدها بأدوات العدوان، وتؤكد علنا التزامها بضمان تفوقها العسكري في المنطقة، وفي الوقت ذاته تضمن حمايتها من اي عقاب دولي على جرائمها، وبمعنى آخر، فهذه المظاهرات أعادت توكيد المعيار الفعلي والجدي من اي عدوان اسرائيلي على البلدان العربية، وهو الربط العضوي لهذا العدوان بالدعم الامريكي له والمسئولية الامريكية المتساوية عنه مع الاسرائيليين، وكل ما عدا ذلك هو هروب من مواجهة مسئولية مثل هذه الاعتداءات. ويمكن القول انه بسبب هذه المظاهرات بالذات، اضطرت الادارة الامريكية لتعود، على لسان الناطق بلسان خارجيتها، الى لغة المراوغة والخداع، ولم يكن صدفة ان بدأت بعض التحركات العربية ومنها زيارة الرئيس مبارك لبيروت، بعد هذه المظاهرات، علما بأنه جرى قبل ذلك منع الطلاب الجامعيين في القاهرة من التظاهر تضامنا مع الشعب اللبناني وشجب العدوان الاسرائيلي والدعم الامريكي له. ولعل مظاهرات بيروت المجيدة هذه، عادت لتذكر وتشير، من جديد، انه عبر تدخل الحركة الشعبية الفعال يمكن الزام النظام العربي على اتخاذ مواقف اكثر جدية من سياسة حكام اسرائيل العدوانية، هذا النظام الذي لم يستطع حتى الآن، عقد قمة عربية تعلن موقفا عربيا موحدا في هذه المرحلة الدقيقة تجاه اطماع اسرائيل التوسعية على حساب الحقوق العربية، وفي الوقت ذاته، دفعها لاتخاذ مواقف اقل خنوعا لارادة واشنطن ضد المصالح العربية العادلة، ومن جانب اخر، توجيه رسالة الى واشنطن بأن مصالحها الضخمة في المنطقة لن تتمتع بالاستقرار طالما هي تواصل وتمعن في العداء لحقوقنا الوطنية، ودعما للعدوان الاسرائيلي على هذه الحقوق.. بعد هذا يأتي السؤال: هل هناك علاقة بين هذا العدوان الاسرائيلي وأزمة العملية التفاوضية؟