تشكل أسعار النفط الراهنة والخلاف عليها بين المستهلكين والمصدرين مصدر تناقض في الاحتياجات والمتطلبات، فقد كان تراجع سعر برميل النفط إلى أدنى أسعاره (8 دولارات) أمرا مواتيا للاقتصاد الصناعي، لكن الأمر اختلف بمجرد ان نجحت الأوبك في ايقاف تدهور الاسعار إلا ان صعود الأسعار غير المتوقع في المرحلة الأخيرة ارتبط باستعادة آسيا لعافيتها الاقتصادية واحتياجها لمزيد من الطاقة، اضافة إلى طبيعة الشتاء الراهن والذي كان الأبرد منذ سنوات. وما ان ارتفعت الأسعار وواصلت صعودها إلى ثلاثين دولارا إلا وبدأت ردود الفعل السلبية تبرز في أوساط عديدة من الدول الصناعية، فقد كتبت صحف أمريكية رئيسية ضد الأوبك محملة الرئيس الأمريكي مسئولية عدم التهيؤ لهذا الاحتمال، وخرج بعض كتاب المقالات ومعلقي التلفزة بتعليقات سلبية تهاجم دول الخليج ودول الأوبك، وبدأت الكثير من البعثات العربية الخليجية في العاصمة الأمريكية تستلم رسائل نقدية لاذعة من مواطنين يعبرون عن احتجاجهم، ويستسهل البعض وضع اللوم على العرب بالتحديد واعتبارهم سببا للمشكلة، مع ان الأسعار اكثر ارتباطا بحالة السوق وبحالة العرض والطلب وبعناصر عديدة لا تتحكم بها دول الأوبك التي تضخ 40% من النفط العالمي. ومع ذلك فالرأي العام الامريكي لا يعلم بأن احد اسباب صعود الاسعار في المرحلة الاخيرة ارتبط باستعادة اسيا لعافيتها الاقتصادية واحتياجها لمزيد من الطاقة، اضافة الى طبيعة الشتاء الراهن والذي كان الابرد منذ سنوات. وفي المقابل نجد ان شركات النفط الامريكية تفرض اسعارها الخاصة، اذ يباع النفط الامريكي بسعر هو الاعلى (ثلاثون) دولارا بينما يباع النفط في دول الخليج بنسبة اقل من الثلاثين دولارا. وقلائل يعلمون بأن سعر برميل النفط يتحول من الثلاثين دولارا عند التصدير من الدول المصدرة الى مئة وثلاثين دولارا فور عبور ذات البرميل الحدود الاوروبية، وذلك بفضل الضرائب الكبيرة المفروضة على السلعة في اوروبا وطبيعة الارباح التي تسعى لجنيها الشركات التي توصل النفط للمستهلك... وبنفس الوقت تشكل الضرائب في الولايات المتحدة على الجالون النفطي بما يتجاوز الثلث عبئا اضافيا على المستهلك الامريكي كما تحقق الشركات المحلية التي توصل النفط الى محطات البنزين ارباحا عالية. وهناك ابعاد سياسية للحالة الراهنة للسلعة. فمن جهة يريد البيت الابيض التأكد من استمرار عجلة الاقتصاد في وضعها الحالي لان الاسعار النفطية العالية تساهم في رفع اسعار الخدمات والمنتوجات الصناعية وهذا قد يكون سببا في خسارة الديمقراطيين وآل جور الانتخابات، كما كان الوضع مع الرئيس السابق بوش عندما هزم امام كلينتون. من جهة اخرى تواجه الدول المصدرة للنفط في الاوبك الكثير من التحديات السياسية والاجتماعية المالية التي نتجت عن الهبوط السابق لاسعار النفط وهي تحاول ان تحافظ على توازن اقتصادها وتخشى من هبوط جديد ومفاجىء في هذه الاسعار. ان الضغط لاستقرار سعر النفط يشكل بحد ذاته مصلحة مشتركة وارضا وسطية يتفق عليها المصدرون والمستهلكون، فبين الثمانية دولارات التي سيطرت على الاسواق في العام الماضي وبين الوضع الراهن الذي تجاوز الثلاثين دولارا يبحث الكثيرون عن سعر متوازن يعكس استقرار السلعة. بين هذا وذاك سوف يكون من الطبيعي البحث عن معادلة تحقق مكاسب للطرفين وتلبي مصالح الطرفين، ان البحث عن المعادلة العادلة التي تحقق الاستقرار في اسعار النفط لن تكون امرا سهلا. فأي ضخ متسرع وغير مدروس في الاسواق العالمية قد يسقط سعر النفط الى ادنى المستويات فيضر بمصالح الدول المصدرة، وأي نقص في الاسواق قد يرفع الاسعار الى ابعد الحدود. لهذا سيتطلب البحث عن التوازن الكثير من الحكمة والتروي.