ما أن دخلت الحملة الانتخابية الاسبانية أعلى مراحل سخونتها، والتي تدخلها الحكومة اليمينية الحالية وبين يديها كل الأوراق الرابحة حتى انفجرت بين يدي رئيس الحكومة خوسيه ماريا أزنار »قنبلة سياسية« خفية، انفجرت على إثر استقالة وزير العمل الشاب »مانويل بيمنتيل«، الذي يعتبر أحد أبرز وزراء الحزب الشعبي الحاكم وأقربهم إلى الجماهير بسبب شخصيته الديمقراطية الهادئة التي تفضل الحوار على المواجهة، على الرغم من مضي عام واحد فقط على توليه هذا المنصب، بهذه الاستقالة وضع الوزير أول احتمال في خسارة هذا الحزب لهذه الانتخابات، و فتح طريق الأمل أمام عودة الحزب الاشتراكي إلى الحكم من جديد. قبل أن ينتهي مفعول القنبلة الأولى، انفجرت »قنبلة سياسية« أخرى، قنبلة لم تكن متوقعة، لكنها هذه المرة »قنبلة حقيقية« من بارود ونار ودماء، انفجرت في بلاد الباسك، فجرتها منظمة »ايتا« الانفصالية بعد ما يقرب من عام من الصمت المريب. إن كانت »القنبلة السياسية« الأولى أثارت الشكوك حول حقيقة ديمقراطية الحزب اليميني الحاكم ورأسه السياسي خوسيه ماريا أزنار، فإن »قنبلة ايتا« اغتالت أحد زعماء الحزب الاشتراكي المحلي في منطقة الباسك، لكنها اغتالت أيضا في طريقها مزيدا من »الأوراق الرابحة« التي كان ينتظر رئيس الوزراء اليميني خوسيه ماريا أزنار أن يستخدمها خلال الأيام المتبقية من الحملة الانتخابية، وحتى يوم الانتخابات العامة في الثاني عشر من مارس المقبل. لأن رئيس الوزراء ورئيس الحزب الشعبي الحاكم كان يعتبر »صمت« المنظمة الباسكية الانفصالية، ووقف عمليات الاغتيال، من أبرز النجاحات السياسية التي حققتها حكومته خلال فترته الرئاسية التي امتدت لأربع سنوات من الناحية الأمنية، وكان من المنتظر أن يؤكد على هذا خلال الأيام القليلة المتبقية من الحملة الانتخابية، باعتبار أن بإمكانه أن يتوصل إلى تحقيق السلام الشامل في البلاد لو منحته الجماهير ثقتها من جديد، وذلك من خلال إجبار منظمة ايتا على التخلي عن السلاح واعتناق السلام بلا مقابل، فالسلام في رأيه لا يمكن أن يكون بمقابل، أو كما كان يقول دائما »أن من يرتكبون أعمال العنف لا يمكن أن يحصلوا على مقابل للتوقف عن ممارسته«. من ناحية أخرى بانفجار القنبلة الجديدة التي قتلت السياسي الاشتراكي »فرنادو ويسا« وهو يدافع عن العمل الديمقراطي في بلاد الباسك، أصابت في مقتل تطلعات ذراع المنظمة الباسكية السياسي »ايشكال ايتاروك« في إمكانية تحقيق نتائج جيدة في هذه الانتخابات، تمكنه من دخول البرلمان الوطني الاسباني، الذي تسببت قنابل سابقه في إبعاده عن هذا البرلمان، بسبب رفض جماهير بلاد الباسك لعمليات العنف التي تمارسها المنظمة، والتجربة تؤكد إعلان المنظمة عن هدنتها في السابق كان سببا في أن يحقق حزبها وذراعها السياسي النتائج التي حققها خلال الانتخابات المحلية العام الماضي في إقليم الباسك، والتي مكنته من أن يفرض برنامجه على »الحزب الوطني ا لباسكي« ويشاركه الحكم في الإقليم لأول مرة منذ أن عادت الديمقراطية إلى اسبانيا بعد رحيل الجنرال فرانكو قبل خمسة وعشرين عاما. قنبلة منظمة ايتا الجديدة، أو عودة المنظمة الباسكية الانفصالية إلى السلاح في هذا الوقت بالذات غير مفهومة بالنسبة لمعظم سكان الإقليم الذي كان يستعد للانتخابات الجديدة، بل غير مفهومة حتى لمن راهنوا كثيرا على تلك العودة، لأنهم توقعوا أن تحدث بعد أن تنتهي حالة الانتخابات التي تعيشها البلاد، ويحقق خلالها ذراع المنظمة السياسي نتائج تمكنه من رفع صوته في البرلمان الوطني الاسباني بمطالب المنظمة، أو على أقل تقدير إثارة »زوابع سياسية« داخل هذا البرلمان من وقت لآخر، زوابع تؤكد على وجود أفكار المنظمة، ووجودها المادي في السياسة الاسبانية. حتى أكثر المحللين تشاؤما لم يتوقعوا أن تعود منظمة ايتا إلى أعمال الاغتيال في هذا الوقت بالذات، لأن العنف كعمل من أعمال إرهاب الخصم خلال الحملة الانتخابية كان ولا يزال موجودا من خلال ما يسميه البعض »العنف الخفيف«، الذي يتمثل في إلقاء القنابل الحارقة على بيوت بعض الخصوم السياسيين، أو حتى ضد الوطنيين الباسكيين الذين يختلفون فقط مع منظمة ايتا، ومثل هذا الإرهاب غير المباشر كانت نتائجه محققة، أي التخويف، دون أن تحول الرأي العام ضد من يمارسون هذا العنف، باعتبار أن من يقومون به من »شباب« الحزب السياسي التابع للمنظمة، والتي تعلن قيادة الحزب أنها لا تستطيع إيقافهم عن هذا العمل، لأنه لا ينم إلا عن حماس هؤلاء الشباب من أجل قضية وطنهم الذي »تحتله القوات الاسبانية والفرنسية«. إضافة إلى أن العديد من المحللين السياسيين توقعوا أن يتوقف الجناح العسكري لمنظمة »ايتا« عن أعمال العنف، على الرغم من قرارها إنهاء »الهدنة« من جانب واحد، كما أعلنتها من جانب واحد أيضا، باعتبار أن المنظمة فهمت من التطورات الداخلية والخارجية أن العنف لم يعد أ داة تتواءم مع تغيرات الحياة السياسية المعاصرة في البلاد، وأن المنظمات المشابهة لتلك المنظمة الانفصالية في أوروبا، مثل الجيش الجمهوري الايرلندي أو حركة تحرير كورسيكا، وغيرها من »الحركات الثورية« بدأت تبحث عن أشكال جديدة لتحقيق أهدافها السياسية. وأيضا بعد أن أثبتت الأيام والواقع في مسيرة منظمة »ايتا« أن عمليات الخطف والاغتيال جاءت بنتائج عكسية تماما، وحتى في الشارع السياسي في بلاد الباسك، التي »تعلن« المنظمة أنها تتحدث باسمه، فإن الجماهير التي تسكن ذلك الشارع أعلنت أكثر من مرة رغبتها في أن تتوقف المنظمة عن مثل هذه الأعمال، وتعود إلى تقديم مطالبها من خلال العمل السياسي. وربما كانت عملية خطف واغتيال السياسي الشاب المنتمي للحزب الشعبي اليميني »ميجيل انخيل بلانكو« في يوليو ،1997 دليلا على هذا، فقد كانت عملية فاشلة سياسيا بكل المقاييس، لأن الشعب الاسباني خرج إلى الشارع ضد هذه العملية، وشارك في المظاهرات الآلاف من أبناء إقليم الباسك، مما يؤكد أن العنف يمكن أن يضع المؤيدين على الرصيف الآخر من الشارع السياسي، كما حدث ردا على تلك العملية. بل أن هذه العملية فسرها البعض على أنها عملية لا هدف منها سوى أن تبرر المنظمة وجودها وقدرتها على العمل ضد الحكومة، أي كانت عملية لإثبات الذات، أو للتعبير عن قدرة المنظمة على العمل العنيف، وهو عمل غير مقبول من الجماهير، لأن خطف شاب يسير في الشارع ليس عملا بطوليا، ولا يدل على مقدرة ما، لأن أي مجرم غير محترف يمكنه أن يفعل ذلك، وهذا يحدث يوميا في جرائم خطف عادية تحدث في العالم كله، لا تحتاج إلى عمل منظم كالذي تعلنه منظمة »ايتا«. إذا كانت عمليات الاغتيال التي قامت بها المنظمة في السابق جاءت بنتائج معكوسة، هذه المرة التي حدثت الثلاثاء الماضي وراح ضحيتها أحد أعضاء الحزب الاشتراكي في إقليم الباسك لن تكون خروجا على تلك القاعدة، لأن جناحها السياسي سيجد نفسه في موقف الدفاع عن نفسه أمام الجماهير التي يطالبها بالتصويت لصالحه، وهو الأمر الذي كانت تخشاه القوى المحلية في بلاد الباسك، لأن الجماهير إذا أدارت ظهرها للجناح السياسي في الانتخابات المقبلة فانها ستذهب إلى صناديق الحزبين المركزيين، الحزب الاشتراكي الذي دفع ثمن هذه الأصوات مقدما بدم ضحيته الأخيرة. لكن الاختلاف هذه المرة، أن النتيجة لن تكون إيجابية تماما بالنسبة للحزب الشعبي اليميني الحاكم بقيادة خوسيه ماريا أزنار، الذي كسب الجولة الانتخابية الماضية بفضل استخدامه للثمن الدموي الذي دفعه حزبه في مواجهته للمنظمة الانفصالية في بلاد الباسك. الجماهير ترى الآن أن خوسيه ماريا أزنار مسئول إلى حد ما عن عودة منظمة ايتا إلى عمليات الاغتيال وتفجير القنابل والسيارات المفخخة، لأنه من خلال موقعه كرئيس للوزراء والمسئول السياسي الأول في البلاد، لم يعرف كيف يوظف إعلان المنظمة لهدنتها من جانب، ليتوصل إلى اتفاق يفتح الباب أمام السلام، ولو بتقديم ثمن ليس كبيرا ولا مؤثرا، كما هو الحال بالنسبة لنقل بعض المسجونين من أعضاء المنظمة إلى سجون تقع في المحيط الجغرافي لبلاد الباسك، وهو مطلب يكاد يكون »شعار« المنظمة خلال الأشهر القليلة الماضية التي أعقبت إعلان المنظمة الهدنة من جانب واحد، وهذا ليس ثمنا بقدر ما هو نوع من المرونة أمام هذه المشكلة، لكن خوسيه ماريا أزنار فهم أن الهدنة ليست سوى إشارة على أن »ايتا« في موقف ضعيف لا يمكنها من فرض مطالبها، ولم يشك لحظة في أنها فقدت قدرتها تماما على العمل العسكري ضد الدولة، وربما كانت »القنبلة« الأخيرة تثبت له أن الاغتيال سهل كشرب الماء، ولكن ثمنه أكثر كثيرا.