هل حقا يلتزم الغرب بمبدأ دعم الديمقراطية الليبرالية في العالم كقيمة مطلقة تتضمن ايضا محاربة الانظمة الاستبدادية؟ أحدث إجابة عن هذا السؤال تتمثل في رد فعل الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة على ما جرى مؤخرا في النمسا حينما أسفرت انتخابات نيابية حرة ونزيهة في بيئة ديمقراطية نظيفة عن انتصار مهم لحزب تعتنق قيادته اجندة غير معلنة تنطوي على معاداة لليهودية العالمية فقد تحدت دول الاتحاد الاوروبي ارادة الشعب النمساوي باتخاذ اجراءات مقاطعة جزئية ضد النمسا. وسرعان ما انضمت الولايات المتحدة الى هذه المقاطعة الجزئية. لكن النمسا ليست سوى حلقة جديدة في مسلسل من الشواهد التي تفضح الزيف الغربي تجاه الديمقراطية كقيمة مطلقة وتثبت ان الدوافع الغربية في هذا الصدد محكومة باعتبارين ثابتين: المصالح الحيوية القومية من ناحية والنفوذ اليهودي في الغرب من ناحية ثانية. وحتى نهاية الحرب الباردة بعد زوال المعسكر السوفييتي الاشتراكي مع نهاية عقد الثمانينيات في القرن المنصرم كان مبدأ نصرة المصالح القومية يتخذ سمتا ايديولوجيا غير معلن هو محاربة التيار الشيوعي الاشتراكي. اما في مرحلة ما بعد زوال المعسكر السوفييتي وحتى الان فان هذا السمت الايديولوجي يتخذ هدف محاربة المد الاسلامي. في اوائل السبعينيات اطيح بحكومة منتخبة ديمقراطيا في تشيلي بعملية انقلابية عسكرية كان العقل المدبر وراءها وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية. كانت حكومة ائتلافية من أقوى شركائها الحزب الشيوعي بزعامة سلفادور أليندي الذي جرى اغتياله في اطار الخطة التآمرية الامريكية. وقبل ذلك بعشرين عاما جرى العكس في الطرف الاخر من العالم. ففي النصف الاول من عقد الخمسينيات وصل الى السلطة في ايران الشاه محمد بهلوي فاسترد عرش ابيه. كان ذلك وفق تدبير انقلابي من صنع الاستخبارات الامريكية ايضا. وفي التسعينيات حدث شيء شبيه بما جرى في تشيلي. ووجه الشبه هو ورود العامل الايديولوجي في الحالتين رغم ان الهدف الايديولوجي في الحالة الثانية كان الاسلام عوضا عن الماركسية. فقد وقع انقلاب في الجزائر اجهض العملية الانتخابية بعد ان اكتسحت »جبهة الانقاذ الاسلامي« الانتخابات النيابية في مرحلتها الاولى وكانت على وشك اكتساح الجولة الثانية. ورغم انه لم يثبت وجود تدخل امريكي مباشر الا ان مما يروى ان واشنطن اعطت الضوء الاخضر لقيادة الجيش الجزائري. ومثل هذا الضوء الاخضر هو الذي شجع المؤسسة العسكرية في تركيا منذ عامين على التحرك الحاسم لاخراج »حزب الرفاه« الاسلامي من الائتلاف الحاكم انذاك ونفيه عن الحياة السياسية. وتتأمل المشهد الافريقي العريض فتجد ان مما يلفت الانتباه ان الانظمة الاوتقراطية الحاكمة قاطبة مسندة امريكيا. وينطبق ذلك بصفة اخص على يوغندا ورواندا وبورندي وتنزانيا. والى ان استعيد النظام الديمقراطي في نيجيرا العام الماضي كانت الولايات المتحدة اقوى داعم للنظام العسكري بقيادة الجنرال ساني اباشا. وهكذا يمضي الغرب ــــ لاسيما الولايات المتحدة ــــ في »تسييس« مبدأ حقوق الانسان وتسويقه اعلاميا بينما يظل منطق المصالح من ناحية والخضوع للابتزاز اليهودي من ناحية اخرى مجتمعين يحكمان المسلك الحقيقي في ساحة العلاقات الدولية.