هي رسالة رصينة في مجملها جاءتنا في بريدنا القاهري من مؤسسة فرانك كاس بانجلترا وتحمل عنوانا له اغراؤه بالنسبة لامثالنا من المهمومين بالشأن العربي العام, وهو: (الدراسات الشرق اوسطية) . وبصرف النظر عن تعبير (الشرق الاوسط) وبالطبع مشتقاته وتصريفاته امر لا يروق لنا فنحن من منظور قومي نفضل مصطلح الوطن العربي او العالم العربي, فضلا عن ان مصطلح الشرق الاوسط يحمل كما قد تعرف اصداء المرحلة الكولونيالية التي عاشتها منطقتنا خاصة خلال سنوات الحرب العالمية الثانية, وفيها اصطنعوا تعبير الشرق الاوسط, بوصفه مصطلحا عسكريا بالذات حيث كانت قيادة الحلفاء لمنطقة الشرق الاوسط تتخذ مقرها في القاهرة, حي جاردن سيتي بالذات القريب من ميدان التحرير (ويقال ان مقر القيادة المذكورة ـ وكانت بريطانيا مهيمنة على مقاليدها ـ تحول بمصادفة تاريخية سكنا لمعهد البحوث والدراسات العربية الذي يرجع الفضل في تاسيسه الى الرائد الراحل القومي ساطع الحصري, ومازال المعهد قائما في مقره هذا العتيد يثري الفكر القومي حتى كتابة هذه السطور). حكاية الفبركة الرسالة المذكورة عرضت علينا مجموعة من الكتب هي الاحدث والاهم في مواضيع تتعلق بالسياسة والتاريخ والاستراتيجية بمنطقة الشرق الاوسط, ولكن كان في مقدمتها كتاب يلفت الانظار, بعنوانه الذي يقول: (تلفيق (حرفيا فبركة) التاريخ الاسرائيلي) . والكتاب يقول كما يقول عنوانه الفرعي حول ما اصبح يوصف بانه مدرسة المؤرخين الجدد او هي مدرسة المراجعة والتنقيح في اعادة كتابة (تاريخ اسرائيل) بخاصة وكتابة و تحرير حوليات الصراع العربي الصهيوني بشكل عام. والكتاب الذي نشير اليه من تأليف استاذ يهودي يعمل في جامعة لندن اسمه (افراييم كارش) ويبدو من نشرة الكتاب الجديد التي نشير اليها انه من انشط ما يكون في دراسة وتحرير تاريخ اسرائيل الدعوة والمخطط والمشروع والكيان.. كيف لا وقد اشرف على تحرير دراسات يبرز من بينها ما يحمل عناوين من قبيل (البحث عن الهوية) (هل نقول البحث عن الذات على طريقة السادات ؟ ), وهذه الدراسة تتناول كما يقول عنوانها الفرعي (الجوانب اليهودية في الثقافة الاسرائيلية) . ثم هناك من محررات الاستاذ كارش ايضا دراسة موسوعية تحمل عنوان (اسرائيل: السنوات المائة الاولى) ! وقبل ان ياخذنا العجب فالدراسة تتناول اسرائيل منذ ان كانت فكرة او مشروعا طاف بخيال تيودور هيرتزل الصحفي النمساوي الذي يعدونه الاب الروحي (جود فاذر) للمشروع الصهيوني في فلسطين وقد كان اول من استعرض ملامح هذا المشروع الاستيطاني في مؤتمر بازل السويسري الشهير عام 1897. مؤرخو اسرائيل الجدد بيد انه يعنينا في هذا السياق بالذات ان نقف عند كتاب (المؤرخون الجدد) ونحن لم نطلع عليه بعد, ولكن واضح مما قدمته نشرة الكتب التي تلقيناها كما اسلفنا من لندن ان القوم في الاوساط الاسرائيلية والصهيونية يعولون عليه كثيرا في نقد ومهاجمة وربما تحطيم او حتى تدمير مدرسة المراجعة التاريخية. لماذا؟ لانها تحاول ان تعيد كتابة تاريخ الحوادث التي ادت الى قيام اسرائيل ومن ذلك مثلا الوقوف عند حقيقة المذابح التي دبرها الصهاينة في دير ياسين وغيرها مع تحقيق ملابسات هذه المذابح بعد ان كانت قد طمستها اجهزة التزييف الصهيونية. رغم ذلك نجد ان الاستاذ كارش الذي اشرنا اليه يشمر عن ساعد الجد ويوجه اكثر من اصبع اتهام الى اصحاب مدرسة المراجعة التاريخية على اساس انهم تحريفيون يشوهون الرواية التاريخية الصهيونية ويسيئون من ثم الى وقائع وكيان اسرائيل الامر الذي يهدد بزعزعة الركائز والمسلمات التي يقوم عليها الكيان الاستيطاني الصهيوني في فلسطين, لا عجب إذن ان تكتب صحيفة هاآرتس الاسرائيلية اشادة بصدور الكتاب فتقول (ان قارئه سوف يشعر بصدمة مباغتة لان مؤلفه افراييم كارش يثبت مرارا وتكرارا ان دعاة تنقيح او تصحيح التاريخ الاسرائيلي ليسوا بمؤرخين على الاطلاق وانما هم مجرد اهل بروباجندا بمعنى رافعي شعارات على افضل تقدير. واذا كانت هاآرتس صحيفة اسرائيلية فان صحيفة انجليزية في مكانة التايمز اللندنية تحرص على ان تقول في احد ملاحقها المتخصصة في مجال التعليم العالي: ان كارش ادى خدمة لا يستهان بها عندما عكف على تفنيد افتراضات التنقيحيين. اما نشرة الكتب الانجليزية التي المحنا اليها في مستهل هذه السطور فقد كانت اكثر ابانة وربما افضل موضوعية حين قالت: ان كتاب (فبركة التاريخ الاسرائيلي) يقف معارضا افكار التنقيحيين الذين طالما اخضعوا وقائع تاريخ اسرائيل وحولياته لهجوم لاذع ونقد متواصل منتظم في غمار مساعيهم الى كشف ما يدعون انه (رواية او رؤية صهيونية) تعمد الى تشويه (بمعنى طمس ) تاريخ اسرائيل والصراع العربي الصهيوني. ان اصحاب هذه المدرسة في كتابة التاريخ يصورون اسرائيل وكأنها شرير المنطقة وانها تتحمل دون سواها المسؤولية عن دورة العنف التي مازال الشرق الاوسط واقعاً في دوامتها منذ عام 1964. بارانويا التاريخ ما الذي يشير اليه صدور مثل هذا الكتاب الذي عكف على تأليفه استاذ يهودي في جامعة لندن, دع عنك الدعايات والتقريظات التي اطاحت بالكتاب ومكائد ال تشجيع والمديح الت ي طوقوا بها عنق المؤلف المذكور؟ انهم ببساطة يعبرون عما كنا قد اشرنا اليه في مبحث سابق بانه (الخوف من التاريخ) وتلك حالة تدخل في مباحث علوم النفس وربما حتى علم الاجرام (كريمونولوجي ) انها اشبه بحالة المجرم الذي لا يذوق الندم بفعل الهواجس او الكوابيس التي تصور له مشاهد الجرائم التي ارتكبها ومصارع الضحايا الذين ساقهم الى مصيرهم المحتوم. او هي اشبه بحالة الذي دفن القتيل ومشى في جنازته واستطاع بخبث الدعاية ومهارة استغلال الظروف, ان يلعب على محو ذاكرة التاريخ وان يستثمر دوامة الحوادث والشواغل التي ما برح العالم يواجهها منذ اربعينيات القرن الماضي, كل هذا لكي يفوز بغنيمته ويفرض امرا واقعا لا يتورع في اطاره ان يغير معالم الجغرافيا وان يطمس حقائق التاريخ وهو الذي مازالت اسرائيل تراهن وتعكف على تنفيذه حتى الآن. اكثر من هذا: لقد عمد اصحاب المشروع الصهيوني وخاصة مع اقامة او زرع الكيان الاسرائيلي منذ منتصف الاربعينيات ومع عقد الخمسينيات الماضي - الى التربح من مقولات الهولوكوست ـ اضطهاد المحارق التي قالوا ان زعماء النازي الالمان قد نصبوها لليهود, وعليه فقد اسسوا طاحونة لا يهدأ لرحاها دوران بالليل والنهار هي طاحونة الاحساس بالذنب وتحميل الشعور بخزي الذنب على عاتق شعوب باسرها وامم باكملها تبدا بالامة الالمانية التي ظلوا يحلبون منها التعويضات والاعتذاريات (وآخرها عن زيارة الرئيس الالماني في منتصف فبراير الحالي لاسرائيل) ولا تنتهي قائمة تحمل الذنوب والتكسب بمقولات الهولوكوست عند شعوب اوروبا الغربية ومنها المؤسسة البابوية الكاثوليكية التي اتهموها بالسكوت على هتلر وسلوكياته اضافة الى الولايات المتحدة التي افلحوا في ادخالها طرفا في معادلة التكفير عن الهولوكوست, ثم لم تنته القائمة الصهيونية باحتلال اراضي شعب فلسطين الذي فرض عليه ان يدفع ثمن ما اقترفه هتلر على فرض وقوعه بحق اليهود. في ضوء هذا كله, (كم ازعجهم واقض مضاجعهم ونغص عليهم صفو حياتهم في اسرائيل وقد حفلت بطائل التعويضات ونعمت بفيض المساعدات وشنفت آذانها معزوفات الاعتذارات, ثم تاتي مجموعة اكاديمية من بين صفوفهم تحاول مراجعة السجلات وتحقيق الواقعات وتنقيح المرويات ومنها كما يقول اصحاب هذه المدرسة في علم التاريخ ما وصل بالتكلس والتكرار الى مصاف الاساطير). اساليب التحليل النفسي ومرة اخرى, نحيل, كما المحنا, الى مباحث علم النفس, فاذا بالجماعة الاكاديمية التي تحاول ولو ضمن حدود معينة استجلاء الحقيقة واستيضاح الواقعة التاريخية من بين براثن الاكاذيب والترهات والاساطير الاسرائيلية هذه الجامعة من المؤرخين المحدثين في اسرائيل ندبت نفسها لهذا العمل التنقيحي من منظور ادراكها بان ثمة اصطناعا وفبركة وتزييفا تعرض لهما تاريخ الصراع العربي الصهيوني, ثم ها نحن نصادف كتابا يرد على هذه الجماعة الاكاديمية, فلا يتورع عن اتهامها بانها هي التي تمارس (فبركة التاريخ) على نحو ما يذهب اليه عنوان الكتاب, وهو امر لا يفسره كما نتصور سوى عملية الاسقاط المعتمدة في الطب والتحليل النفسي حيث المريض يضفي عيوبه على (الآخر) او قد يفسرها مشاجرات السوقية في الحواري تحت شعار سوقي بدوره يقول (خذوهم ـ اي بادروهم بالصوت العالي قبل ان يغلبوكم) . والمعنى في هذا كله ان طائفة من مؤرخي اسرائيل بدأت بمنطق ان تاريخها حافل باكاذيب ملفقة تقتضي التمحيص او التفنيد, فما كان من آلة الدعاية الصهيونية الا ان جندت عناصرها وجاءت ايضا بمن يحملون لقب الاستاذية كي يبادروا بالصوت العالي ليقولوا لهؤلاء المؤرخين: بل انتم الكذابون, وانتم الملفقون, وانتم لستم مؤرخين في الاصل ومن الاساس) . الى هذا الحد الذي يبلغ مبلغ المرض او الهوس تصل بارانويا الفزع الاسرائيلي من الحقيقة ومن جهود البحث والتحقيق التاريخي. كفى اكاذيب لقد امعنوا في سرد التاريخ الحديث المعاصر من وجهة النظر التي استحلوها وراقت لهم, وحققت ماساورهم من اطماع واذا كان العالم المشغول بمشاكله وهمومه وصواعق احداثه وتحولاته قد سكت عن روايتهم تلك المغرضة للتاريخ, فقد كان من الطبيعي ان ينجم قوم لهم من النباهة وصدق الحس ولهم من ادوات البحث العلمي والتحصيل الاكاديمي ما يجعلهم يتوسلون بموضوعية الباحث ونزاهة العالم الى حيث يقول قائلهم بصورة او باخرى بلغة او بلغة اخرى.. كفى.. وحسبكم وليس لكم ان تسدروا او تتمادوا فالصورة الحق هي على غير ما تقولون. تلك صيحة تتردد دائما في زوايا التاريخ قالها يوما شاعر انجليزي عاش في القرن الثامن عشر اسمه جورج هربرت وربما ضاقت به نفسه ازاء ما كان يحفل به مجتمعه من رياء ونفاق او ما كانت تفرضه عليه السلطات الكنسية من آراء لا يرتضيها او تعاليم لا يطمئن اليها. هنالك افتتح قصيدة شهيرة له بابيات تقول: دقت راحتي على أديم المائدة وهتف اللسان : كفى وشددت الرحال الى بعيد هي نفس الصيحة التي سجلها التاريخ السياسي المعاصر لاكبر مفكري الحزب الشيوعي الفرنسي, واسمه روجيه جارودي الذي ظل فيلسوف الحزب العتيد سنوات عدة كان يدرس فيهن الاوضاع ويفند المقولات ويحقق صدق او كذب الطروحات والايديولوجيات. وبعدها كانت صيحته الشهيرة التي اصبحت شعارا من بعد لرفض ما هو كائن استشرافا لما عساه يكون. لم يعد الصمت ممكنا وكما شد الشاعر الانجليزي هربرت رحاله الى بعيد, مضى المفكر الفرنسي جارودي من عقد الستينيات وما بعده في القرن العشرين في اوديسة رحلة بحث دؤوب عن النفس, عن جوهر الحقيقة واضواء الحق واشواق الروح.. وكان ان قادته هذه الاوديسة الروحية الفكرية الى ضفاف الاسلام ومن فوق هذه الشطآن الطيبة, تواصلت رحلة رجا جارودي المفكر المسلم الى تفنيد مقولات الصهيونية وفضح اكاذيبها معتصما في شيخوخته الجليلة بالصبر الجهادي والشظف المعيشي.. وحسبه ان حقق ذاته.. ويكفيه ان وقف الى جانب الحق ودافع عن الحقيقة وكشف باطل الصهيونية اذ قامت على ثلاثي العنصرية والاستيطان الاستعماري والارهاب وحسب رجا جارودي ان انضم الى كوكبة مضيئة من الباحثين عن الحقيقة وسط ما اهالته الحركة الصهيونية وزبانيتها في اسرائيل من ركام الزيف والاكاذيب بالادق الاساطير حسب تعبير الاستاذ جارودي نفسه. من هذه الكوكبة المضيئة من الباحثين عن الحق المنقبين عن الحقيقة, استاذ باحث واكاديمي مقتدر من فرنسا, بلد الاستاذ جارودي, واسمه: البروفيسور روبير فوريسون وله دراسة معلومة, وحكاية مشهودة وقضية مرفوعة.. فالى بحث قادم باذن الله. ملحوظة مهمة: الجزء التالي يوضع في اطار داخل الموضوع: (كم ازعجهم واقض مضاجعهم ونغص عليهم صفو حياتهم في اسرائيل وقد حفلت بطائل التعويضات ونعمت بفيض المساعدات وشنفت آذانها معزوفات الاعتذارات, ثم تاتي مجموعة اكاديمية من بين صفوفهم تحاول مراجعة السجلات وتحقيق الواقعات وتنقيح المرويات ومنها كما يقول اصحاب هذه المدرسة في علم التاريخ ما وصل بالتكلس والتكرار الى مصاف الاساطير) .