ما من موقف يمر به الانسان خلال يومه وحياته الا ويترك في داخله اثرا يتراكم مع الزمن ليكون ما يعرف بمخزون التجارب الانسانية, هذه التجارب التي قد يخرج منها احيانا سعيدا منتصرا, واحيانا اخرى عكس ذلك, لكن كلتا الحالتين تشكلان في النهاية زاوية النظر التي يطالع الانسان الحياة من خلالها , لذلك تختلف زوايا النظر بحسب اختلاف التجارب. ولعلك لا يمر يوم دون ان تجلس مع شخص يشكو الدنيا والناس ويلعن الظروف ويوبخ نفسه على ثقته بالاخرين, ما يعني ان هذا الانسان قد وصل إلى غواية الجحود التي قد تحرف زاوية الرؤية عنده للناس ولمنظومة القيم والقناعات ربما بدرجة 360 درجة, بينما تجلس مع شخص اخر منحته الحياة اجمل فرصها ليعيش اجمل التجارب وربما اقساها, ولكن بنفس اخرى وذهنية لا تعتمد التظلم والبكائيات وسيلة لاستنتاج العبر, هذه الذهنيات المعافاة تكرس التجارب ـ المؤلمة والجميلة ـ في داخلها منظومة قيم ايجابية ونظرة للآخر تتجه نحو العمق والحكمة اكثر من اتجاهها للشعارات الكربلائية البكائية المحزنة. كثيرون منا ـ في حقيقة الامر ـ لا يلتفتون جيدا لهذا الزلزال الذي اصاب الحياة حولهم فقلبها رأسا على عقب, كما انهم يتحاشون تصديق ان الزلزال قد تعدى اثره الاسمنت والخرسانات والاسواق واذواق اللباس والطعام ومشاريع البناء وانظمة السياسة.. الخ, وبأنه ضرب وجدان البشر ومنظومة قيمهم وفتتها وتركها مشوهة حتى النخاع! لذلك عندما سألني احدهم يوما: ما هو الصحيح في هذه الايام, ان نثق في الاخرين ام ان نحذرهم ونشك فيهم حتى نتثبت من اهدافهم ونواياهم؟ فقد حيرني السؤال وخشيت التورط في الاجابة! لقد ترددت في الاستشهاد بالمبدأ القانوني: (الانسان بريء حتى تثبت ادانته) , ذلك انه فيما حولنا يتلاطم بحر من البشر والعلاقات والتوجهات يقود اغلبها إلى قناعة ان الانسان (مدان) أو متهم حتى يثبت براءته! وللاسف ان يصل حال الناس في علاقاتهم إلى هذا الحد من ازمة الثقة الخانقة, لكن ظروفا وملابسات وتجارب تقود الكثيرين للاقتناع والعمل بهذا المبدأ المعكوس! هل من الحكمة ان يقتنع الانسان بما يؤمن به الانجليز من ان المرء يجب ان (لا يثق بصديق جديد, وكذلك لا يثق بصديق قديم فعندما تطل المصالح من النافذة ـ حسب المثل الانجليزي ـ لا يلقي الصديق عليك اي نظرة) ؟ وفي تاريخنا العربي ما يشبه هذه الحكمة حيث يقول الاقدمون بأن (سوء الظن من حسن الفطن) . ومع بعض التحفظات على قضية الثقة فان كل الثقة ليست تعقلا على اية حال, انه كمن يضع كل اوراقه في سلة واحدة, ففي مجتمعات اليوم دخل الناس في شبكة لا اول لها ولا آخر, تبدأ بالمصالح الشخصية, وتنتهي بالمصالح نفسها, وصار التيقن من صحة الامور صعبا, والفصل بين خطوط التماس معجزة لكثرة تشابك المصالح والاهواء والاهداف, من هنا فكل الشك عذاب وقلق, وكل الثقة حماقة لا داعي للتورط فيها, خاصة مع اناس تعرفهم من زمن بسيط. ألا ترى ان الحياة تصدمك يوميا في اصدقائك واحبابك واخوتك أو بعض اهلك احيانا؟ فأين الخلل هنا: هل هو فيك أم فيهم؟ لن تجد اجابة سوى فيما يقوله بعض الحكماء هكذا هي الدنيا!! أحقا هكذا هي الدنيا؟