ستشهد المرحلة المقبلة في المنطقة اصدار شهادة ميلاد اسرائيل باللغة العربية, ومن معظم البلدان العربية, وسيترتب على هذه الولادة اضافة فرد جديد إلى أفراد عائلة المنطقة وبالتالي تغييرات جديدة في ترتيب الأدوار والتعاملات الدولية وبروتوكولات الاحترام المتبادل . ان دخول كلمة اسرائيل إلى عواصمنا وأسواقنا وخرائطنا المدرسية وأماكن عملنا لتستدعي وقفة طويلة لتحديد الصورة التي ستكون عليها حياتنا بعد هذا الحدث الذي أصبح واقعا مسلما به ان لم يكن اليوم فبالتأكيد غدا. والسؤال الكبير الذي يطرح نفسه كالبحر الهائج على شواطئ العروبة هو ماذا بعد الاعترافات المتبادلة وتوقيع اتفاقات الترتيبات النهائية أو مجموعة البروتوكولات التي ستحدد مستوى العلاقات السياسية العربية ـ الاسرائيلية؟ ماذا سنفعل مع وجود هذه الحقيقة الجديدة؟ كيف سنلغي من عقول أبنائنا ما علمناه إياهم على مدى 50 عاما من الحرب التي طالما قلنا انها حرب من أجل الوجود وليست حرب من أجل الحدود؟ هل سنقبل ان تحتوي خرائطنا المدرسية بعد اليوم على دولة اسمها اسرائيل؟ وهل سنعلم أبناءنا ان حيفا وعكا مدن اسرائيلية ولم تعد مدنا فلسطينية مثل غزة ونابلس وبيت لحم؟ ان لم نفعل ذلك من أنفسنا فسنجد وزارة التعليم الاسرائيلية وكافة اذرع اسرائيل الأخرى تنظم حملة دولية للضغط علينا كي نفعل ذلك, فكيف نوقع اتفاقات ونتبادل الاعترافات ثم نبقي على النصوص والخرائط التي استوحيناها من سعينا في الماضي لازالة اسرائيل؟ ان هدف اسرائيل من الدخول إلى المفاوضات ليس الخروج منها بمعاهدات سلام على الورق فحسب أو اتفاقات اعتراف متبادل لا أكثر كما نكون قد نعتقد, إذ ان اعترافنا بها لا يغير أي شيء على أرض الواقع فالمدن والجيوش والشعب الاسرائيلي كلها موجودة على أرض فلسطين سواء اعترفنا بذلك أم لا, كما ان هنالك أكثر من 100 دولة في العالم قد اعترفت بها بالفعل, ان هدف اسرائيل النهائي من الحصول على مثل هذه المعاهدات والاتفاقيات هو الفائدة الاقتصادية المرجوة من جراء هذه الاتفاقات, وهذا الهدف لا يقل أهمية عن الأهداف العسكرية والسياسية الأخرى, ان لم يكن أهمها. فأي توجه سياسي له مفاهيم ونتائج اقتصادية يجب ان تكون مدروسة قبل الشروع في أي توجه سياسي وهذا ينطبق بالتأكيد على التوجه السلمي الحالي في المنطقة, اسرائيل قد أوضحت مرارا وتكرارا بأنها لا تريد مجرد اتفاقات عدم اعتداء أو اتفاقات ترسيم حدود دولية, انها تريد شريحة كبيرة من الأسواق العربية المفتوحة, وكذلك ايجاد وسيلة مباشرة لامدادها بالنفط أو الغاز من تلك الدول العربية المنتجة له بما يرفع من تطورها الصناعي ويضمن استمرارية تفوقها الاقتصادي والعسكري في المنطقة. ففي ظل هذا المفهوم الاسرائيلي الذي لم تعارضه أي دول معنية بالسلام حتى الآن, فإنه من المسلم به انه لن يرضى أو يرضخ الاسرائيليون لعزل منتجاتهم أو تقنيتهم من الأسواق العربية وسيقومون بحملات مكثفة لادخال الشركات الاسرائيلية إلى مزاولة أنشطتها في تلك البلدان بل والسماح لها في الدخول إلى مناقصات دولية تطرحها أي من الدول العربية الموقعة على اتفاقات اعتراف متبادل. وهل ستتحمل أسواقنا المتخمة بالمنتجات المستوردة دخول المنتجات الاسرائيلية إليها؟ وكيف سيكون التعامل معها؟ وماذا عن شركات الطيران والرحلات الجوية والسياحة وغيرها من المجالات التي ستتطلب اتخاذ مواقف جديدة تتماشى مع الخارطة السياسية الجديدة في المنطقة, كيف سنتعامل مع نجمة داوود التي كانت عبر عشرات السنين تعني لنا كل ما تعنيه من المعاني القبيحة المرتبطة بالاحتلال والقمع والبطش والعدوان؟ اننا في أشد الحاجة إلى المزيد من الدراسات التوجيهية الوافية من قبل الخبراء والمتخصصين العرب لبلورة استراتيجية اطار تحدد تسلسل ومتطلبات واستحقاقات وكذلك مواصفات مرحلة التطبيع مع اسرائيل, نريد ان نعرف ما الذي تتطلبه منا المرحلة المقبلة, مرحلة ما بعد توقيع الاتفاقات, وماذا بوسعنا ان نفعل الآن للاستفادة من هذه التطورات, نريد ان نعرف عمق هذه الاتفاقيات ومدى تأثيرها علينا وعلى حياتنا, هل لدينا ما نغزو به أسواقهم وندخل به على حياتهم؟ وما الفائدة الاقتصادية المرجوة من هذه الاتفاقات أم أننا سنكتفي بالمكاسب التي سنحصل عليها باسترجاع أجزاء من أراضينا المحتلة, ولا يهم بعد ذلك ان كان الثمن الذي سندفعه هو بقائنا تحت رحمة الهيمنة الاقتصادية والاتكالية المفرطة وضياع الأحلام.