أي مواطن يصلح وزيراً, وكل مواطن يستطيع ان يملأ مكانه في منصب الوزير, وهو خطأ شائع ولا أساس له من الصحة لأن منصب الوزير منصب قيادي في الدرجة الأولى من الأهمية, وليس عيباً أو عاراً أن يكون العبدلله لا يصلح لمنصب الوزير ولكن العيب الحقيقي أن اتقلد هذا المنصب وأنا لا أصلح له . ومسوغات تعيين الوزير أن يكون من أصحاب القدرة الادارية الفائقة وأن يكون من أتباع سياسة معاوية.. لو كان بيني وبين الناس شعرة ما انقطعت.. اذا جذبوها أرخيتها.. واذا ارخوها جذبتها. واذا كان الوزراء وهم في السلطة يبدون جميعا سواء فهذا الأمر يكون صحيحاً في الصورة فقط, أما في واقع الحال فالأمور تختلف.. ولدينا الان مثل حي وملموس وعلى عينك يا تاجر. في أيام الدكتور أحمد جويلي وزير التموين السابق لم نسمع عن ازمة في البوتاجاز في أي وقت.. لا في الصيف ولا في الشتاء. كانت الانابيب متوفرة والسعر ثابت والناس مرتاحة وكل شيء على ما يرام. في عهد الوزير الحالي اشتعلت ازمة البوتجاز الى الحد الذي اصبحت فيه ازمة جماهيرية. واذا كانت طوابير الجمعيات الاستهلاكية قد اختفت فقد حلت محلها طوابير البوتاجاز, وهجمت جحافل البلطجية على منافذ التوزيع تشرف على التوزيع وتحدد التسعيرة المناسبة. وبينما المستهلكون يشتكون من غلاء السعر الذي بلغ في بعض المناطق خمسة عشر جنيهاً للانبوبة الواحدة, نجد البلطجية يحققون أرباحاً يحسدهم عليها رجال الاعمال هذا الوضع السيء الذي انتهت اليه انبوبة البوتاجاز ما هي الاسباب التي أدت اليه؟ في رأي العبد لله انه ليس هناك اي سبب الا سوء الادارة وفي عهد الدكتور الجويلي لم نسمع عن زيادة في الثمن في اي سلعة من السع الضرورية وفي عهد الوزير الحالي اصيب سوق السكر بالجنون, وقيل في تبرير ذلك أن واحد مستثمر اسمه علي الصفدي هو المسئول, واذا كان هذا الامر صحيحا يكون التاجر علي الصفدي أقوى من الوزير ومن وزارته ومن اجهزته. وفي بلد مثل مصر تهون اللخبطة في اي مكان الا في وزارة التموين, فلابد من ضبط الموازين في السلع الاساسية التي تعتمد عليها اغلبية الجماهير, فلا يمكن الاهمال أو غض الطرف عن حالة الفول المدمس والعدس والسكر والشاي والخبز والارز, فإذا حدثت اللخبطة في هذا المجال فيا داهية دقي.. أعوذ بالله! ولكن السيد وزير التموين يبدو وسط الازمات وبالرغم من الازمات شديدة الانشكاح والانشكاع لا شيء يشغل باله ولا شيء يعكر مزاجه ولاشيء ينغص عليه حياته, ولماذا يقلق مادام الجو بديع والدنيا ربيع؟ لعله لايدرك ان بيت بلا انبوبة بتوجاز في هذا الشتاء القارس معناه مشكلة ترتفع الى حد الكارثة. مرة منذ بضع سنوات حدثت مشكلة في توزيع الانابيب وعلقت على المشكلة في بضعة سطور بمجلة المصور وفي الساعة العاشرة صباحا من اليوم التالي سمعت طرقاً على الباب ولما فتحت اكتشفت وجود الوزير عبدالهادي قنديل وزير البترول على الباب ومعه المهندس عبدالحميد أبو بكر رئيس مجلس ادارة شركة بتروجاز, وقضى الوزير مع العبدلله حوالي ساعة ومعه كل الوثائق التي تثبت براءته وبراءة وزارته وبراءة اجهزته ولكن المشكلة كانت وليدة سوء تصرف من بعض اصحاب مراكز التوزيع وأنه جاء الى منزلي بعد جولة مبكرة فاجأ فيها عدداً من هذه المراكز وامر بإغلاق مركزين ولم تستمر المشكلة أكثر من ايام قليلة, ثم هدأت سوق البوتاجز وعادت إلى سيرتها القديمة. والعبدلله يعتقد أن وزارة البترول يقع عليها جزء من مسئولية الفوضى التي تعربد في سوق البوتاجاز, ولكن وزارة التموين هي المسئولة الاولى, في ايام الدكتور الجويلي مثلا اتبعوا نظاما للتوزيع كان بمثابة ضربة معلم. فاختاروا عدداً من الشباب الحاصلين على شهادات متوسطة وشهادات عليا واعطوا كلا منهم الحق في توزيع سيارة بوتاجاز بعد دفع التأمين المطلوب. وقد حققت هذه السياسة اصطياد عدة عصافير بحجر واحد, سهولة التوزيع ووصول الانابيب الى المستهلك وضمان دخل معقول للالوف من الشباب وابعاد البلطجية عن سوق البوتاجاز, ولا أعرف ما الذي حدث لهذا النظام بعد التغيير الوزاري الأخير, هل لايزال معمولا به حتى الآن؟ أم أن الوزير الجديد الغاه باعتباره من مخلفات الجويلي كما فعل مع موظفي مكتبه وعمال البوفيه الذين كانوا يعدون القهوة والشاي للوزير السابق! واذا كان بعض السادة من اصدقاء الوزير الذين يلتمسون العذر له على أساس انه وزير مستجد كما وصفه زميله الدكتور يوسف بطرس غالي وزير الاقتصاد فهو عذر أقبح من ذنب, لان وزير التموين لابد أن يكون وزيراً متمرساً وخبيراً ولا يسمح لأي خيط من الخيوط التي يمسك بها بين يديه من الافلات من بين اصابعه, لان وزارة التموين ليست وزارة هامشية ولكنها وزارة على قدر كبير من الاهمية لأنها وزارة تتعامل مباشرة مع الجماهير. اذكر انه في العام 1970 سألني احد تجار الحبوب بالجيزة وهو المرحوم الحاج سيد مخيمر أن ألفت نظر وزير التموين وكان المرحوم حمدي عاشور بأن الوزارة على وشك الوقوع في أزمة فول مدمس قد يكون لها ابعاد خطيرة.. ورفعت سماعة التليفون وسألت حمدي عاشور سؤالا عابرا.. عامل إيه في الفول؟!.. وأجابني حمدي عاشور بأن كل شيء على مايرام والتقارير كلها تؤكد ان مخازن الوزارة تضم كميات من الفول تكفي مصر لمدة عام كامل, قلت له.. طيب على خيرة الله, ثم سألني حمدي عاشور.. بتسأل ليه؟.. اجبته بأنه لا شيء هناك سوى أن أحد تجار الجيزة الكبار المعروفين قال لي أن وزارة التموين قد تعاني من ازمة فول مدمس في القريب, واجابني حمدي عاشور ضاحكاً.. ده لازم كان مبسوط شوية. بعد ثلاثة ايام على وجه التحديد من هذا الحديث اتصل بي الوزير حمدي عاشور وصاح قائلا.. الراجل اللي قالك على ازمة الفول ده مين؟! قلت له.. موجود. قال حمدي عاشور.. تسمح تجيبه وتجي.. قلت له..سأبحث عنه واذا كان موجودا سأصطحبه إلى مكتبك.. بعد ساعتين من هذا الاتصال التليفوني كنت مع المرحوم سيد مخيمر في مكتب الوزير وكان المكتب يضيق بعشرات من كبار الموظفين وكلاء وزارة ومديري عموم ومعهم مدير مديرية تموين الجيزة ومدير مديرية تموين القليوبية وقال الوزير لسيد مخيمر.. انا ياعم سيد عاوز أشكرك على الكلام اللي انت قلته لمحمود.. فنحن بالفعل على ابواب ازمة حادة في الفول المدمس ونريدك أن تشترك معنا الآن في الحوار وتدلنا على أحسن الطرق لعلاجها وكيفية الخروج منها بسلام.. ولما كان سيد مخيمر من اكبر تجار الحبوب في مصر فقد وعد الوزير بأن يمد الوزارة بخمسين طناً يومياً بالتسعيرة واشار على الوزير بتنفيذ عدة مقترحات تسهل الخروج من الازمة, وبالفعل طبق الوزير ما أقترحه سيد مخيمر وعليه ونفذ سيد مخيمر وعده وقدم خمسين طناً من الفول بالتسعيرة للوزير كل صباح, وانتهت الازمة بسلام. وفي أول مجلس وزراء برئاسة أنور السادات قال الوزير حمدي عاشور لرئيس الجمهورية.. ياسيادة الرئىس الأمن الغذائي أهم من الامن السياسي ووافقه السادات على ذلك ووجه الشكر لوزارة التموين لانها عالجت مشكلة الفول بسياسة ناجحة. وبعض الذين يدافعون عن وزير التموين الحالي يقولون انه كان مديرا لبنك وقد شهد بنجاحه في ادارة البنك الجميع. والعبدلله يعلم ان الوزير الحالي كان مديراً لبنك اما مسألة نجاحه من عدمه في ادارة البنك فهي مسألة فيها قولان كضربات الجزاء ثم ان ادارة بنك تختلف عن ادارة وزارة, فالبنك كشوف حسابات واجهزة كمبيوتر وعمليات سحب وايداع وهي امور كلها تحتاج إلى محاسب وإلى مدير يراجع ويراقب ويحاسب, ثم ان المثل الشعبي يقول ان الميه تكدب الغطاس وهاهي مياه وزارة التموين غطس فيها وزير التموين الجديد ولم يظهر له أثر حتى الآن, والعبدلله يهيب بالدكتور عاطف عبيد رئيس الوزراء أن يخرج قليلاً من دوامة العمل ويلقي نظرة على مشكلة البوتاجاز ولعله يقوم بزيارة لبعض مخازن البوتاجاز في العاصمة والجيزة ليرى بنفسه كم يعاني الناس أمام مراكز التوزيع وكم يلاقون من صنوف العنت والارهاق وابتزاز البلطجية للحصول على انبوبة وبثمن تضاعف حتى الان اكثر من خمس مرات. وعلى العموم فشل وزير في وزارته ليس نهاية الكون, ولكن استمرار وزير فاشل في وزارته هو أمر له عواقب وخيمة, وفشل الوزير في وزارة أمر محتمل في وزارات كثيرة ولكن في وزارة التموين بالذات.. اللهم لا نسألك رد القضاء ولكن نسألك اللطف فيه!