احيانا تتجه الانظمة العسكرية الى عسكرة نفسها اكثر واكثر, بينما تتجه انظمة مدنية الى (تمدين) نفسها اكثر واكثر.. هذا لايعني ان بعض الانظمة العسكرية لاتتجه احيانا الى الالتفاف بعباءات المدنيين سواء عن صدق او عن مناورة.. كما لايعني ان انظمة مدنية صرفة , لاتكاد تقاوم الاغراء بعسكرة نفسها, فتعمل على تقويض الاوضاع الديمقراطية, التي وصلت عن طريقها الى السلطة, وتعتمد على العسكر بدل ان تعتمد على الجماهير.. وهذا دأب كثير من الحكومات الفاشلة في تاريخ السياسة, وغالبا ما فشلت امثال تلك الحكومات في عسكرة نفسها, وخلقت بالتالي شروخا وصدوعا بالغة في جبهتي السياسة والامن معا. الحزب الاقوى صمويل هنتنجتون قبل ان تطبق شهرته الآفاق, كان معنيا بتحليل مثل تلك الشئون, وقد كتب نحو سبعة كتب عن علاقات العسكر بالسياسيين وكعادته في الاستغراق في استعراض الحالات الكثيفة وتحليلها, ومقارنتها, ثم الخروج بعد ذلك الجهد الضخم, باستخراجات مبتسرة وضحلة, فقد خرج بنظرية تقول بأن القوات العسكرية المسلحة, هي الاحزاب الوحيدة المؤهلة لحكم اقطار العالم الثالث, فصعوبة تكوين التنظيمات والمؤسسات السياسية في تلك الاقطار, تحول دون نضوج الاحزاب السياسية فيها وبالتالي دون نشوء تجربة ديمقراطية مستقرة. واهتداء بتلك النظرية اصبح بعض الحكام المدنيين يدخلون انفسهم في الثياب العسكرية, وانتابت البعض مخاوف غير مبررة من العسكر, فحاول بعضهم تحطيم العسكر او تهميشهم, كما حاول آخرون تدليلهم بشتى الامتيازات والرغائب, صرفا لهم عن ادوار السياسة ودوائرها. نظرية هنتنجتون ليست صحيحة على اطلاقها, فهي مجرد ملاحظة قد تصدق على بعض الحالات دون سواها, مثلها في ذلك مثل نظريته بالغة التطرف في التعميم عن نزاع الحضارات, فهي قد تصدق على بعض الحالات دون سواها. ان استقرار الديمقراطية في الهند لمدة خمسين عاما مثلا, وعدم تمكن العسكر من حكم اقطار شتى في العالم الثالث, حتى ولو ليوم واحد, يؤكد محدودية صلاحية نطرية هنتنجتون, التي هي مجرد ملاحظة لا نظرية كما اسلفنا, وبالتالي فان علاقة العسكر بالسياسة هي علاقة اكثر تعقيدا من نظرية توازن القوى على اطلاقها, تلك النظرية التي توجه سائر افكار هنتنجتون بصورة شبه ميكانيكية. هنتنجتون لايؤمن بالديمقراطية كحتمية سياسية لذا فهو يميل بعقله وهواه الى طرف العسكر, ويقارن بين الحكومات على مستوى قوتها وفعاليتها, لا مستوى ديمقراطيتها او دكتاتوريتها, فان كان العسكر او الحكام الدكتاتوريون اكثر نفوذا وقوة وفاعلية, وحكمهم اكثر استقرارا, فذلك افضل من الحكومة غير الفعالة مهما كانت ديمقراطيتها, تلك هي الفكرة الجوهرية عنده, فكرة الفاعلية وحسب, فان حققها المدنيون كان بها وان حققها العسكر كان بها ايضا, وليس في سوى ذلك أية ميزة للمدنيين على العسكر ولا للعسكر على المدنيين. اقتلاع ويرانتو ان ما حدث بين عبدالرحمن واحد رئيس اندونيسيا وويرانتو, جنرالها القوي, يعطي مثالا مخالفا لافكار هنتنجتون, فالرئيس المدني القادم لتوه الى السلطة, وبلا خبرة سابقة يعتد بها في هذا المجال, بدا اقوى بكثير من قائد الجيش الاندونيسي, اذ استطاع ان يطيح به من دون ان يسبب هزة أو أزمة, في اي من الاطارين السياسي او العسكري, وقد تمكن من ذلك بنجاح تام, لأنه آثر استخدام وسائل قانونية, مع قدر من الدهاء السياسي اللازم, ولم يلجأ الى التآمر الذي لجأ اليه رئيس وزراء سابق آخر. سلوك الزعيم واحد بدا مثيرا للدهشة وأثار بلبلة واسعة وسط المراقبين والصحفيين, ولكن ذلك السلوك هو فرع من سلوك آسيوي قديم, كان يتبعه اباطرة الصين عند الازمات, فيلجأون حينها الى خلط الاوراق وتعكير الجو العام بحيث (تتعذر الرؤية) مجرد الرؤية, دعك عن التحرك على الجميع, ويكون افضل من يتبصر حينها, او يتحرك هو الامبراطور فقط. وقد اتبع واحد تلك الخدعة فأرسل احد مساعدي الجنرال ويرانتو اليه, يطلب منه ان يستقيل, فرفض ويرانتو ان يقدم استقالته, قبل ان يلتقي بالرئيس واحد, ويتحدث اليه عن مجمل الاوضاع الامنية, وفي طليعتها اوضاع تيمور الشرقية, وبالفعل دعا واحد الى اجتماع بذلك الخصوص, حضرته ميجاواتي, نائبة الرئيس, بالاضافة الى النائب العام, ووزير الدفاع اي ويرانتو نفسه, ومع ان واحد كان مصمما على اقالة ويرانتو الا انه طلب اليه ان يرجئ موضوع استقالته الى ان يتم التحقيق معه بواسطة النائب العام. وهنا اطمأن ويرانتو الى بقائه في المنصب, على الاقل الى أمد قصير, ولم يقم بأي تحرك ضد الرئيس, ولكن ما ان انتصف الليل الا وقد اصدر واحد قرارا بعزل الجنرال, واكد للمجتمع الاندونيسي الذي يسانده انتصارا جديدا, ضد المؤسسة القديمة التي اقامها الجنرال سوهارتو واورثها ويرانتو, وقد جاء ذلك الانتصار بدون اي نوع من التآمر, يثير حفيظة العسكر, او يفجر غيظهم. العامل الدولي لم يكن العامل الدولي غائبا عن صراع واحد مع العسكر, فقد تصاعدت الضغوط الدولية اخيرا ضد الجيش الاندونيسي, وجنراله القوي بسبب موقف الجيش من قضية تيمور الشرقية, ولما كان المجتمع الدولي مصمما على فصل تيمور الشرقية عن الوطن الاندونيسي, فقد كان لابد من ان يوجه ضربة قوية للجيش الاندونيسي, وبالطبع فأفضل الادوات التي يمكن ان تستخدم هنا هي الحكومة الاندونيسية نفسها, فقدمت لها الشكاوى والتهديدات ضد الجيش وقائده, كما قدمت لها تعهدات المساندة في حالة اندلاع أي صراع. ابلغ دليل على دور العامل الخارجي هو ان قرار الفصل صدر في نفس يوم وصول السكرتير العام للامم المتحدة كوفي عنان الى جاكرتا, وكوفي عنان مشغول جدا بانسان تيمور الشرقية, وضميره يؤرقه على ما يلقى من القمع, وكأنه يلقى اكثر مما يلقى انسان كشمير, والقوقاز, وقد هدد عنان بأن مجلس الامن ربما يصدر قرارا بتقديم الجنرال ويرانتو الى محكمة مجرمي حرب دولية, هذا اذا ما لم تقم الحكومة الاندونيسية بمحاكمته مع اثنين وثلاثين عسكريا اندونيسيا, تتهمهم الامم المتحدة بالضلوع في ممارسات عنف وقمع ضد التيموريين. العامل الخارجي في حالة اندونيسيا اصبح في صالح المدنيين, وليس العسكر, فهي عكس الحالة بتركيا, حيث العامل الخارجي ظل مساندا لمؤسسة الجيش ضد المدنيين, ويريد من المؤسسة السياسية ان تصبح بمثابة برلمان صوري لحزب العسكر (بنظرية او ملاحظة صمويل هنتنجتون) ومهما يكن فقد نال واحد مساندة دولية, ربما تسهم في استقرار احوال اندونيسيا, وتثبيت نظام ديمقراطي او شبه ديمقراطي في جاكرتا, وينال واحد مساندة شعبية واسعة, وهو ربما صلح لأن يكون قاسما مشتركا بين الاسلاميين والعلمانيين, فهو في تفكيره السياسي يقف في منتصف الطريق بينهما.. وتكون اندونيسيا سعيدة اذا تعقل قطبا السياسة بها, واتفقا على واحد قاسما مشتركا بينهما, يحكم بعيدا عن سيطرة العسكر, وبعيدا عن شطط الايديولوجيين, وبذلك يستمر النظام الاندونيسي في (تمدين) نفسه اكثر وأكثر.