اكتساح الاصلاحيين للانتخابات النيابية في ايران للمرة الاولى منذ قيام الثورة قبل أكثر من عشرين عاما ليس نهاية قصة معاشة وإنما بداية قصة جديدة. لقد كانت الانتخابات ذروة لصراع مصيري بين الاصلاحيين والمحافظين كان مسرحه الرئيس الشارع الايراني . والآن وبعد الانتصار الحاسم لفريق الاصلاحيين يبدو أن الفصل التالي هو انتقال الصراع الى مؤسسة السلطة بفروعها. وربما تكون عبارة (مؤسسة السلطة) غير دقيقة. فسلطة الدولة العليا في إيران تتوزعها مؤسسات ذات أدوار يمكن أن تكون متضاربة. وقد شهدنا خلال السنوات الثلاث الاخيرة لعبة تضارب متسلسلة بين مؤسسة رئاسة الجمهورية كما يمثلها الرئيس محمد خاتمي ومؤسسة (مجلس الشورى) (البرلمان) ناشئة عن تناقض التوجهين ما بين الانفتاح والتشدد. وكان من نتيجة ذلك إحباط السياسات الانفتاحية للرئيس بواسطة البرلمان عن طريق إسقاط مشروعات قوانين. وعندما نقول إن السيطرة الحاسمة على البرلمان التي حصل عليها خاتمي وفريق الانفتاحيين الان بعد اكتساح الانتخابات ليست نهاية الصراع فلأن هناك مؤسسات سلطوية أخرى ذات مرجعية نهائية أو شبه نهائية.. هذه المؤسسسات لاتزال في أيدي فريق المحافظين.. وسوف تظل كذلك لأمد غير معلوم. هل إذن يحدث صدام بين البرلمان الجديد ورئيس الجمهورية من ناحية والمؤسسات المرجعية من ناحية أخرى؟ قبل الاجابة عن السؤال.. لنتساءل أيضا: ما هي هذه المؤسسات المرجعية؟ إنها على وجه التحديد ثلاث مؤسسات دستورية تتفاوت في قدراتها السلطانية. هناك أولا (مجلس صيانة الدستور) الذي تحال إليه مشروعات القوانين التي يجيزها البرلمان ليقرر مدى تطابقها أو تناقضها مع قواعد ومبادىء الشريعة الاسلامية. وعلى مستوى اعلى نسبياً هناك (مجلس تشخيص مصلحة النظام) الذي يرجع إليه عندما يرفض (مجلس صيانة الدستور) مشروع قانون يصر عليه البرلمان. وفي القمة هناك مؤسسة (الولي الفقيه) الذي تكاد تكون صلاحياته مطلقة.. فهو المرجعية الأخيرة ليس في اجازة القوانين فحسب بل ايضا في اعتماد التعيينات في المناصب الاستراتيجية العليا للدولة كرئيس القضاء وقيادات القوات المسلحة. كل هذه المؤسسات الفولاذية الثلاث في أيدي المحافظين بما في ذلك (الولي الفقيه) آية الله علي خامنئي. لكن يأتي الان برلمان بتفويض شعبي كاسح للاصلاحيين من المحتم أن يتحالف مع رئيس جمهورية إصلاحي وصل هو ايضا الى السلطة قبل ثلاث سنوات بارادة شعبية عارمة.. فهل يقع صدام حتمي؟ ان الرئيس خاتمي يتطلع بالطبع الآن الى تنفيذ سياساته وبرامجه الاصلاحية الانفتاحية داخلياً وخارجياً عبر برلمان متضامن معه كليا. ومن المؤكد أن كثيراً من القرارات والتشريعات التي سوف تنبثق من هذه السياسات والبرامج سوف تكون محل رفض من المؤسسات المرجعية. ومع مرور الزمن سوف يتولد مناخ من التوتر المتصاعد. وعندما يبلغ التوتر ذروته فإن المؤسسات المتصارعة سوف تجد نفسها امام مفترق طرق: إما أن تتواصى على التوصل إلى صيغ توافقية سلمية تتطلب مرونة من الطرفين.. وإما أن يصلوا الى طريق مسدود. وفي هذه الحالة فإن الشارع الذي وقع اختياره على الاصلاحيين سوف يتفجر ليفرز وضعاً خطيراً من الصعب التنبؤ بتداعياته.