سواء كانت الولايات المتحدة في طريقها لابرام معاهدة عسكرية مع اسرائيل او انها ما زالت تبحث الامر وتناقش عددا من الافكار حولها كما قالت المصادر الامريكية فالواضح ان التمهيد يجري لاقرار هذه المعاهدة التي ستكون طريقا للحصول على المزيد من السلاح والاموال الامريكية تحت نفس الحجة التي تقال منذ بدأ الصراع العربي ـ الاسرائيلي ـ وهو ان المزيد من الدعم الامريكي يطمئن اسرائيل ويدفعها لتقديم التنازلات.. وهي المزاعم التي لم تتحقق ابدا , فالدعم الامريكي لم يكن يوما الا طريقا للمزيد من التشدد الاسرائيلي. والمعاهدة المقترحة تعتبر اي اعتداء على اسرائيل عدوانا عليها وتلزم الجانبين بارسال قوات لمساعدة كل منهما الآخر في الحالات الطارئة, وقد سبقها كما هو معلوم اتفاق سابق بتخزين الاسلحة الامريكية في قواعد اسرائىلية لاستخدامها في حالات الطوارىء ولتختصر الوقت اللازم للاستعدادات الامريكية للتدخل في المنطقة. ورغم ان بعض القيادات العسكرية الاسرائيلية تبدي بعض التحفظات باعتبار ان المعاهدة المقترحة ستقيد حركة اسرائيل في شن اي عدوان, وتشترط موافقة الولايات المتحدة (كما حدث في عدوان67) او بسبب ان المعاهدة قد تفرض قيودا على مبيعات اسرائيل من الاسلحة المتقدمة للدول الاخرى, او بسبب انه قد يفرض على اسرائيل الدخول في حرب تخوضها امريكا ضد دولة ثالثة.. برغم هذه الاصوات المتحفظة, فالمعاهدة كما يبدو في طريقها للاقرار, وتمنع الجنرالات الاسرائيلية هو لزيادة الثمن وتحسين الشروط.. خاصة وهم يعلمون حاجة الادارة الامريكية لهذا الانجاز!! لاستغلاله في انتخابات الرئاسة الامريكية التي اشتعلت معركتها. وبغض النظر عن ان المعاهدة المقترحة تضرب فكرة الوساطة الامريكية بين العرب واسرائىل في مقتل وتؤكد ان العرب امام طرف واحد له مصالحه المتوافقة واهدافه في المنطقة, وهو ما يحيل عملية (السلام) الى مجرد استسلام للشروط الاسرائىلية وفرص لمنطق القوة الفاشية لتركيع العرب ورسم الخريطة الجديدة للمنطقة في غيبتهم وعلى حسابهم وباستغلال لحظة الضعف العربي الحالية والخلل في توازن القوى لغير صالحهم. وبغض النظر ايضا عما تثيره المعاهدة من اسئلة حول مصير الترسانة النووية واسلحة الدمار الشامل والصواريخ بعيدة المدى الاسرائيلية وهل ستظل السياسة الامريكية تؤيد احتفاظ اسرائيل بها في الوقت الذي يجري فيه تحديد القدرات العربية ومحاصرة اي محاولة لتحقيق التوازن العسكري في المنطقة, ويتضاعف الضغط الامريكي لتجريد العرب من اي قدرات محتملة في هذا المجال؟ بغض النظر عن هذه الجوانب المهمة, يبقى الاهم وهو الحديث المكرر الزائف عن حاجة اسرائيل المتجددة للامن ودون التفات للسؤال الحقيقي الذي يطرح نفسه وهو: اي امن هو الذي تهدده المخاطر.. امن اسرائيل ام امن العرب؟ اننا امام ترسانة عسكرية تحمل اسم اسرائىل, ما زالت حتى الآن تحتل اراضي ثلاث دول عربية, ويهدد المسئولون فيها (من الجنرالات والمدنيين ومن الحمائم والصقور) بضرب اي محاولة عربية لتعديل الخلل في موازين القوى, ويتباهون بقدرتهم على الوصول الى اي هدف يريدونه من المغرب الى باكستان ويعنون بلا مواربة انهم الاقوى, ولهذا فمن حقهم وفقا لهذه الرؤية ان يفرضوا ارادتهم على الآخرين. وتدرك امريكا قبل غيرها ان اسرائيل ما كان لها ان تكون كذلك لولا ان ترسانة الاسلحة الامريكية مفتوحة امامها واحدث ما تملكه الولايات المتحدة من تكنولوجيا صناعة السلاح يوضع بين يدي العسكريين في تل ابيب بلا مقابل, ومليارات الدولارات من دافعي الضرائب الامريكيين تأخذ طريقها لدعم الترسانة العسكرية الاسرائىلية والالتزام الامريكي قائم بأن تكون قوة اسرائيل العسكرية اكبر من كل القوة العسكرية للعرب مجتمعين (... وهل اجتمع العرب؟!) وتدرك امريكا او هذا هو المفترض, ان هذه القوة العسكرية تحكمها سياسة عنصرية تؤمن بالتفوق وتسعى للسيطرة وتنظر للعرب على انهم لا يستحقون الحياة, وتعلن على العالم كله هذه العنصرية الصهيونية.. فتهدد بحرق لبنان وتنشر الدمار في الارض العربية, وتواصل ارتكاب المذابح التي لم تتوقف من دير ياسين.. الى بحر البقر.. الى قانا بمشاركة كل الفصائل المتشددة والمعتدلة.. اذا كان الارهاب يعرف المعتدلين! هذا هو الخطر الحقيقي الذي يجب الالتفات الىه, ليكون الحديث عن اي تسوية مقبلة حديثا عن امن المنطقة وليس عن امن اسرائيل, وليكون المطلوب ان تعلن المنطقة منطقة منزوعة السلاح النووي واسلحة الدمار الشامل, وليكون الهدف هو تجريد النازيين الجدد من ترسانتهم التي تنشر الارهاب وتحاول فرض سلام القوة المستحيل. والحديث عن النازية يجرنا الى الواقعة الاخيرة التي شهدها الكنيست الاسرائيلي حيث وقف الرئيس الالماني يوهانزراو يطلب من اسرائىل رسميا الصفح عن بلاده بسبب المذابح التي تعرض لها اليهود خلال الحكم النازي, وأوضح الرجل انه يطلب الصفح له ولابناء جيله وابنائهم واحفادهم عما فعله الالمان باليهود خلال حكم النازية لالمانيا. ويأتي هذا الاعتذار الرسمي تتويجا لتاريخ طويل من الشعور الالماني بالذنب تجاه ما عاناه اليهود من حكم النازيين وقد تمت ترجمة هذا الشعور الى مليارات الدولارات على سبيل التعويض قبضتها اسرائيل, واخذت معها مساعدات عسكرية واقتصادية هائلة كان آخرها صفقة الغواصات النووية التي تحملت المانيا عبء تمويلها وقدمتها للبحرية الاسرائيلية لتضاعف من قوتها العسكرية وليتزايد التهديد الاسرائيلي للعرب. ولا احد يدافع عن النازية ولكن ما حدث لليهود لا يبرر ما حدث ويحدث من اسرائيل في حق العرب ولا يبرر سكوت العالم على تحول ضحايا النازية الى ورثة لأحقر ما فيها من عنصرية وارهاب كما تفعل اسرائيل. ان رئيس المانيا يقول في خطاب الاعتذار امام الكنيست الاسرائيلي ان الدفاع عن اسرائىل هو محور رئيسي لسياسة مختلف الحكومات الالمانية التي تعتبر نفسها مسئولة اخلاقيا عن الدولة اليهودية. وهو بذلك يجسد أسوأ محاولة لاجبار العرب على ان يكونوا هم الضحية الفعلية للنازيين القدامى والجدد معا. ان الرئيس الالماني حين يعتذر عن الحكم النازي وما فعله لا يفعل ذلك في اوروبا التي شهدت المأساة, ولكنه يفعل ذلك على ارض فلسطين المغتصبة ولا يذكر ان ثمن محاولة بلاده للتطهر من ذنوبها يدفعه العرب, الذين لم يرتكبوا شيئا في حق اليهود, بل كانوا هم الضحية النهائية لنازية اوروبا وفاشيتها, ولخرافات اليهود وتعصبهم, ولتشجيع امريكا حين وجدت في انشاء اسرائيل تواجدا لقاعدة امامية تباشر منها امريكا السيطرة على الشرق الاوسط. والرئيس الالماني وهو يقدم اعتذاره من على منصة الكنيست لم يتذكر شيئا من مذابح اليهود ضد العرب ولم يفسر كيف قامت اسرائيل على الارهاب وكيف ما زالت تعتمد عليه في استمرارها جنبا الى جنب المساعدات التي تقدمها بلاده وغير بلاده لها. والرئيس الالماني لم يمد بصره قليلا خارج الكنيست ليرى ارض ثلاث دول عربية تحت الاحتلال الاسرائيلي, وليرى آثار عدوان ارهابي اخير على لبنان, ولم يسمع صوت الطائرات الاسرائيلية وهي تواصل عدوانها على لبنان الشقيق وتضرب المدنيين وتنسف محطات الكهرباء, ولم يتوقف بالطبع عند تهديدات رئيس وزراء اسرائيل بضرب البنية التحتية للبنان, ولا وقاحة حمامة السلام (!!) شيمون بيريز وهو يتحدث عن اسرائيل باعتبارها البقعة النظيفة المتقدمة وسط بحر من القذارة والتخلف العربيين, ولم تزعجه تلك اللهجة النازية التي تحدث بها وزير خارجية اسرائيل السيد ليفي وهو يهدد بحرق الارض كلها في لبنان عقابا له على رفضه نقمة الاحتلال الاسرائيلي لجزء من ارضه!! بكل النفاق الممكن وقف الرئيس الالماني يتجاهل انه على ارض مغتصبة من العرب, وفي دولة اقامها الارهاب الاسرائيلي وباركها اعتذار الغرب عن جرائمه في حق الانسانية, ومطامع الطامعين في الهيمنة على المنطقة. تجاهل الرئيس الالماني ذلك كله ليطمئن اسرائيل على ان وصول حزب يميني في النمسا للمشاركة في الحكم لا ينبغي ان يخيفها, وليطمئنها بأن بلاده واوروبا كلها قد خضعت للابتزاز الاسرائىلي وسوف تحاصر الحكومة النمساوية حتى تسقطها لتكوين عبرة لكل من يقف في طريق الاطماع الصهيونية ولتستمر محاولات الابتزاز الاسرائيلي للعالم, ولتكون المعركة ضد نازية متوهمة هناك, بينما النازية الحقيقية تغتصب الارض العربية وتشرد اهلها وتمارس ضدهم ابشع انواع الارهاب منذ خمسين سنة وحتى الآن. وبدلا من ان يعتذر الغرب للضحايا الحقيقيين من العرب المغلوبين على امرهم, يتم دعم اسرائيل بكل نازيتها وعنصريتها ـ عسكريا واقتصاديا وسياسيا لكي تفرض التسوية التي تريدها ولكي تواصل احتلالها للارض العربية واغتصابها للمياه العربية ولكي تضع القدس في الاسر الصهيوني, ولكي تمنع اللاجئين الفلسطينيين من العودة لديارهم التي تفتح ابوابها لليهود من كل انحاء العالم بالقوة والاغتصاب. اي ضمير هذا الذي يتطهر فيلقي بذنوبه على الآخرين؟ واي نفاق هذا الذي يسمح بتشريد شعب واغتصاب وطن لكي ينام الغرب مرتاح الضمير؟ واذا صفح اليهود عن الالمان بعد ان تقاضوا الثمن فادحا.. فهل يتصور احد ان العرب سيصفحون وهم يدفعون ثمن جرائم غيرهم, ويواجهون ابشع صنوف النازية الصهيونية التي تطالب الآن ضحاياها من العرب بأن يستسلموا للهزيمة ويقبلوا المهانة ويبادروا بـ الاعتذار!