استأذن القارىء في نقل شعار طرحه الألمان بعد ان خربت بلادهم في الحرب العالمية الثانية, لعل فيه بعض الشبه بحالنا اليوم ولو من بعيد, فلم تخرج ألمانيا من نكبتها الا بعاملين: الاول المعونة الامريكية, اما المعجزة غير المادية فقد كانت شكلا مستحدثا من الادارة والتعاون وكان شعارها (لن ننجو من هذه الحال ما حيينا اذا اخترنا ان نتعارك, فلنعمل معا) . نعم لنعمل معا, فليس بمقدور أحد الغاء الآخر او تجاوزه. الناظر الى الازمة السياسية الاخيرة في الكويت, والتي سميت بأزمة الصحافة وقادت الى ما قادت اليه من تأزم حاد بين الحكومة ومجلس الامة, يستطيع ان يكيفها بطريقتين: اولاهما ان هذه الازمة خاصة بما حدث في الصحافة من نشر مرسوم اميري مختلق, وتداعيات ذلك الحدث على الساحتين الصحافية والسياسية, والثانية انها ازمة كانت تتجمع نذرها في الافق, وتتراكم مسبباتها في كل من تاريخ العمل السياسي في الكويت والفهم المختلف عليه بين الممارسين والمراقبين المشرعين, كانت فقط تحتاج الى صاعق ان صح التعبير, قد يأتي ـ كما حدث ـ من مشكلة صحافية, وكان يمكن ان يأتي من سبب او أسباب اخرى, وهي كثيرة. شخصيا أميل الى التحليل الثاني القائل ان هناك احتقانا متراكما يتعدى الشخوص, كما يتعدى قوارص اللسان, وهو احتقان له علاقة بالممارسة كما له علاقة بالتكوين الثقافي للممارسين من جهة, ولكن له ـ من ناحية اخرى ـ اسبابا اكثر اهمية في الهيكلية التي مارسنا من خلالها العمل النيابي والحكومي حتى الآن, ومنذ ما يقرب من اربعة عقود بدرجات مختلفة, ويمكن باختصار تلخصيها بعدم القدرة على (العمل معا) . لذلك فإن الحل المراد والمتوخى, هو ليس حلا يطفىء من لهيب الازمة الحالية فقط, وان كان ذلك مطلوبا كمقدمة ومشكورا كفعل تغليب الفطنة والحكمة, الا ان الازمة سوف تتكرر بطريقة اخرى, وتحت ثوب آخر, وربما في زمن اخر بعيد او قريب, كما تكررت في السنوات الاخيرة, وذلك بسبب تناقض الهياكل السياسية التي ركبت منذ زمن. والحكمة تقتضي النظر الى مقترحات تعيد التوازن ما امكن الى هذه الهياكل لتتسق فيما بينها وتتكاتف لتحقيق ما يأمله المواطن وما يستحقه الوطن, ولن يتم ذلك دون تقديم البدائل. المطلوب هو الغوص تحت سطح الازمة الحالية, والبحث عن مخارج معقولة الديمومة لاستقرار العمل السياسي في الكويت, وبالتالي تمكينه من تقديم ما هو مخصص له اصلا, وهو الاسراع في وتيرة التنمية بما يؤدي الى رواج اقتصادي واطمئنان اجتماعي, ومساواة قانونية, وعيش كريم, وذلك بالالتفات الى جوهر الامور لا هوامشها, لان الاصل في الممارسة الديمقراطية والادارة الحكومية, هو تحقيق رفاه الانسان, وبالتالي فهما وسيلة لتحقيق هدف الديمقراطية, وليستا هدفا بحد ذاتهما. هناك مجموعة من الحقائق في العمل السياسي الذي يرتضي برلمانا وانتخابات حرة, ومنها ان الحكومة لابد ان يكون لها اغلبية في المجلس المنتخب كي تتمكن من تنفيذ برامجها براحة معقولة, ودون مضايقات شكلية ومن حق المعارضة ان تتقصى وتسأل وتراقب. الوضع في الكويت مختلف تماما. وليس هناك مراقب كتب حول التجربة السياسية في الكويت الا ولاحظ هذا الامر ومنغصاته, والمعضلة أن النواب يأتون الى البرلمان في الغالب حسب اجتهادات فردية وبقاعدة شعبية صغيرة او متوسطة العدد, فيها العلاقة الانسانية مباشرة وربما شخصية, يضاف اليها العلاقات الاجتماعية التقليدية التي لا فكاك منها, وهي الاسرة او القبيلة او الطائفة, حيث يكون النائب معرضا لضغوط شديدة من القاعدة الانتخابية القريبة منه لتقديم خدمات قد تكون مستحقة وبعضها قد لا يكون. ويتحول الضغط الى صاحب القرار في الحكومة الذي قد يساير لفترة, ويقدر الحقوق لفترة اخرى ويعجز في فترة ثالثة, خاصة ان الوضع الطبيعي لاي مجتمع ان هناك تنافسا على الموارد, سواء اكانت مادية ام معنوية, ولا يمكن توزيعها بالتساوي وبالمسطرة هكذا يبدو ان الدائرة مغلقة وعبثية قد تحقق مصالح لفئات صغيرة ولفترة وجيزة ولكنها بالتأكيد تضحي بمصالح اكبر. ويعرف اهل الحكمة والرأي في مجتمعنا ان وضعا كهذا يعطل المسيرة ويضع العقبات الكؤود امامها. وضع القوانين واحترامها هما من ابرز سمات الديمقراطية والمجتمع المدني. ولعلي لا استطيع ان اتجاوز النطق السامي لسمو امير دولة الكويت الشيخ جابر الاحمد الصباح في هذا الموضوع المهم, في افتتاح دور الانعقاد الاول للفصل التشريعي الثامن لمجلس الامة (اكتوبر 1996) حين قال باهمية احترام القوانين, حيث شرعت لتخدم المجتمع, فقال سموه: (وأبشع مخالفات القوانين ما يرتكبه مشرعوها ومنفذوها,. لما يسببه ذلك من فقدان الثقة والقدوة غير الصالحة للمواطنين, فعلينا ان نغرس في نفوسنا جميعا احترام القوانين, واعتبار احترامنا لها خلقا رفيعا وسمة حضارية) . ثم اكمل سموه في ذلك الخطاب التاريخي بالكلمات التالية: (انه من الاهمية بمكان كبير أن تتضح الحدود بلا لبس ولا اشتباه بين السلطتين التشريعية والتنفيذية, حتى لا يستمر ما يحدث الآن من تداخل بين السلطتين, وما يترتب على ذلك من التعدي والخلط والارتباط, مما يدعو الى ايجاد صيغة تتفق عليها السلطتان لوضع الحدود الفاصلة بينهما, ضمانا لسلامة الحركة) . وهو كلام واضح قيل قبل خمس سنوات ولا يزال صالحا للنظر والاعتبار. من جهة اخرى فقد وجدنا من التجربة ان الموضوع لا يحل بتوزير اكبر عدد من النواب, ليس لان ذلك خطأ بل لان هؤلاء النواب او غيرهم لا يجدون النصرة السياسية التي تسمح لهم بتنفيذ برنامج تنموي في قطاعاتهم, فيتحول بعضهم اما الى تقديم خدمات مباشرة, وانما الى مواجهة معارضة من قبل زملاء للأسباب نفسها التي يواجهها اي وزير اخر, فيفقدون الحماسة. وقد دلت التجربة الماضية على ان النائب الوزير كثيرا ما يفقد مقعده في البرلمان الذي يأتي بعد ذلك, لانه ببساطة لا يستطيع ان يقدم خدمات لكل من يطلبها, وهو قد يعذر من البعض وهو في كرسي النيابة, لكنه لن يعذر من الكل وهو في مقعد الوزارة. من جانب آخر تأتي صعوبة تشكيل الوزارة بعد كل انتخابات نيابية, اذ لا يجد المكلف وقتا طبيعيا للمشاورات يمكنه من اختيار التشكيل القادر على تحمل التبعات التنفيذية, لأن المدة المسموح بها قانونا لا تتعدى اياما. هذه المعضلة الهيكلية التي تفرض نفسها بين ايدينا كيف يمكن حلها, ان اقتراح خطوات للحيلولة دون استمرارها؟ هناك اقتراحات يمكن التفكير فيها, فإن تعذر الحديث عن النظر الى الدستور, وهو نص مكتوب من قبل رجال اجتهدوا, ولابد ان يكون هذا النص قابلا للتداول بعد كل هذه الفترة ـ اقول ان تعذر النظر, لأسباب نعرفها جميعا في هذه المرحلة, فلماذا لا ننظر الى اللائحة الداخلية, علنا نجد في بعض تطبيقاتها بروحها بعض الآليات المنظمة للعمل بين الهيئة الرقابية التشريعية والهيئة التنفيذية. وفي رأيي ان كلا من هذا وذاك متعذر اليوم, فلماذا لا ننظر الى طريق اسهل, ولا اقول سهل, عله يقودنا الى توافق افضل من الذي نرى؟ هذا الطريق هو ما يمكن وصفه بـ (توسيع قاعدة المشاركة) وله ثلاث قنوات: الاولى هي خفض سن الناخب, وادخال الفئات التي لا تنتخب اليوم, ومنها العسكريون, الى القاعدة الانتخابية ومنها التفكير في دائرة واحدة, او اضعف الايمان العودة الى الدوائر العشر السابقة. هذه القنوات الثلاث قد تجنب النائب الضغوط المباشرة التي يتعرض لها, وتجنب الهيئة التنفيذية الوقوع في الانتقائية وتساعدها على تقديم خدمات عامة, ويتفرغ النائب للاداء العام في التشريع والرقابة, فهو هنا ممثل لقطاع واسع من الناس لا لفئات محدودة. وفي هذا ايضا يتحقق بناء النسيج الاجتماعي الكويتي على اساس المواطنة لا المناطقية, او غيرها من اشكال الانتماء التي تقلل وتربك بممارساتها العمل الوطني وقد تجد من آخرين اقتراحات اخرى بتعديل هيكل العلاقات بما يسهل التعامل بين السلطتين ولا يربكه. ليس امامنا في العمل السياسي في الكويت الا طريقان: الاول ان نبقى كما نحن ننتقل من ازمة الى اخرى بسبب القيود على العمل السياسي وتركيبته الحالية التي هي قريبة الى الشخصانية والطريق الثاني ـ وهو ما ينبغي علينا ان نسير فيه ـ هو الانتقال الى شكل ازعم انه ارقى في الممارسة السياسية واكثر تعبيرا عن الوطن, اذا سنت له قوانين حديثة للممارسة وهو تكوين الاحزاب السياسية. لدينا الآن في الكويت تيارات سياسية, ولكنها غير منظمة التنظيم السياسي الحديث فهناك اشخاص يتفوقون ويختلفون. اما التنظيم الحزبي فله قواعد, تغربل من حيث المبدأ من يرشح للبرلمان وكيف يدعم, كما تنظم الدعم المادي. وقد نحقق من ذلك مجموعة من الاهداف منها تكامل النسيج الاجتماعي, بحيث يصبح الفرد مواطنا يؤمن ويعمل من خلال اهداف وبرامج حزب واضح المعالم, ينقل الولاء من الاصغر الى الاكبر: الوطن. ويأتي بعد ذلك التعامل في البرلمان من خلال هذه الكتل البرلمانية, تؤيد او تعارض على اساس برنامج وطني واضح المعالم. تبقى بعد ذلك قضايا تستحق الطرح, وابدأ بتحية الشجاعة التي اتصفت بها افتتاحية جريدة الوطن (اخطأنا ونعتذر) , وهي شجاعة لانها مهنية, فقد حصل خطأ وربما لن يتكرر, لأن النقل عن مصادر عليا قد تحدد في الممارسة ان يأتي من مصدر رسمي كوكالة الانباء مثلا وهي ممارسة تتبعها الصحافة ووسائل الاعلام في دول الجوار العربي, ومن الضروري ان تمتد في العمل المهني لفصل (الاشاعة) عن (الخبر) , والتصريح بعد التحقق بدلا من التلميح على غير هدى. اما القضية الاهم في هذا الموضوع فهي حقيقة اننا ما زلنا نحتكم الى قانون للصحافة تم وضع نصوصه قبل نصف قرن من الزمان, فهل يعقل ان نحتكم في عصر سرعة تدفق المعلومات ـ الذي نعيشه الآن ـ الى مثل هذا القانون. اهناك عجز اكثر من هذا: ان تكون اكثر وسائل المجتمع حيوية وتأثيرا مقيدة بقانون يتحدث, حتى تقنيا, عن ادوات صارت بالية الآن, ولم تعد تستخدم؟! والذي يتعين نقاشه بعد ذلك, ما ورثناه من عصر سابق ثقافيا بأن الحكومة هي شيء خارج عن ذواتنا, شيء معاد لتوجهات الوطن, ويفهم هذا الطرح ويقبل عندما كانت الحكومات في الوطن العربي تغرس من الاجنبي, اما الحكومات الوطنية فهي ممثلة للجميع هي مكونة من مواطنين يصح ان يجتهدوا, وهم في ظل هذا الاجتهاد يمكن ان يصيبوا ويخطئوا, وهو في نهاية المطاف اجتهاد لا يخرج صاحبه من الوطنية ولا يقصرها على غيره. لا اعرف ما هي التطورات المقبلة, وقت كتابة هذا المقال, والتي سوف تأتي بها الايام القليلة المقبلة, نتيجة الازمة الحالية, التي قد تمر, وقد تأتي بمتغيرات, ولكن ما المح اليه ان الازمات ان لم تعالج جذورها فستبقى مستمرة وان اختفت عن السطح لفترة.