هذه المرة جاء الخذلان لامريكا من حليف وجار ورفيق على الطريق الرأسمالي. فقد رفضت كندا طلبا امريكيا لفرض عقوبات على شركة نفط كندية لا لسبب إلا لأنها تشارك في مشروع النفط السوداني. ولم تكتف كندا بالرفض.. بل ذهبت في التحدي الى حد بعيد.. فقد قررت في الوقت نفسه فتح سفارة في الخرطوم . وكان من الممكن أن تنتهي المناوشة الامريكية الكندية عند هذا الحد فيغلق الملف. لكن واشنطن سمحت لنفسها بالانسياق وراء رد فعل أحمق. فقد أعلنت فرض عقوبات جماعية تشمل مع الشركة الكندية شركتين أجنبيتين أخريين في الصين وماليزيا تشاركان أيضا في المشروع النفطي السوداني. وبطبيعة الحال تشمل العقوبات ايضاً شركة النفط الوطنية السودانية (سودابيت) . وعندما أصف رد الفعل بأنه أحمق فإن للحماقة الامريكية في هذه السياق وجهين. أولا: كون أن هذه العقوبات لاتعني شيئاً على الصعيد التطبيقي. فالقانون الامريكي الذي تستند إليه يعاقب الشركات الامريكية التي تتعامل مع الاطراف المغضوب عليها: كندا والصين وماليزيا والسودان.. بينما الاطراف المغضوب عليها ليست بحاجة إلى عون امريكي في مشروع النفط السوداني. لم تكن بحاجة أصلا ولن تكون في المستقبل. هي إذن (عقوبات) فارغة تنحصر في كونها ترميزاً سياسيا. ثانيا: اذا كانت الحماقة هي ضد الحكمة فان التجربة التي لاتورث حكمة تكرر نفسها. ولو كانت التجارب السابقة المماثلة أورثت واشنطن حكمة كما يجب ان يكون لما أقدمت على فرض عقوبات على شركة كندية على الأقل. فقد سبق ان تحدت الحكومة الكندية وشركات كندية الولايات المتحدة بأن خرقت قرار عقوبات امريكيا موجها ضد كوبا كاسترو.. فدخلت هذه الشركات الكندية في عمليات استثمارية لتمويل مشروع كوبي عملاق للتنمية السياحية. أضف الى ذلك تحدياً أوروبيا لامريكا من النوع نفسه. فقد تجاهلت دول الاتحاد الاوروبي تماما العقوبات الاقتصادية والتجارية الامريكية ضد كل من ليبيا وايران فأبرمت حكوماتها اتفاقات تعاون اقتصادي مع هاتين الدولتين ودخلت شركاتها في مشروعات استثمارية. لقد بدأت قصة الولايات المتحدة مع السودان في السياق الكندي عندما طلبت وزيرة الخارجية الامريكية السيدة مادلين أولبرايت من نظيرها الكندي ممارسة ضغط على شركة (تاليزمان) النفطية الكندية العاملة في السودان لتنسحب من المشروع النفطي السوداني بحجة أن العائدات المالية للنفط تساعد الحكومة السودانية في تصعيد الحرب الدائرة في الجنوب, وتحرك أولبرايت في هذا الاتجاه كان استجابة لطلب من (اللوبي) اليهودي داخل الكونجرس الامريكي. وهذا التحرك اليهودي في امريكا كان بدوره متناغما مع تحرك مسيحي داخل كندا نفسها رأس حربته تنظيمات كنسية. وكانت نهاية القصة موقفا حاسما للحكومة الكندية عبر عنه وزير التجارة الدولية بيار بيتجرو حين أعلن على الملأ: (ليس على واشنطن أن تملي علينا ما يجب أن نفعله) . ان الذي يليق بدولة عظمى كأمريكا هو ان تتدخل كوسيط سلم لايقاف الحرب في الجنوب السوداني لا أن ترعى تحركا صليبيا ازدواجيا ذا طابع يهودي ومسيحي لنصرة طرف على آخر.