يلاحظ المتابع لوسائل الاعلام في الفترة الاخيرة تراجعا كبيرا وملموسا في اخبار الاعتداءات الامريكية والبريطانية المتواصلة على المدن العراقية في الشمال والجنوب, وكذلك التقارير الخاصة بالاوضاع الانسانية المأساوية التي يعيشها الشعب العراقي في ظل الحصار الدولي المفروض عليه , الى مرتبة متأخرة من برقيات وكالات الانباء العالمية الامريكية والبريطانية, وبالتالي على صفحات الصحف العربية والعالمية وفي نشرات الاخبار الاذاعية والتلفزيونية. ومقتل العشرات من العراقيين في الغارات التي تشنها طائرات امريكا وبريطانيا بشكل شبه يومي بدعوى ضرب قواعد الدفاع العراقية, والجنائز التي تخرج في شوارع بغداد لعشرات الاطفال الذين يقتلهم نقص الغذاء والدواء لم تعد تهز مشاعر القائمين على وسائل الاعلام العربية. بل واصبحت هذه الاخبار تصاغ بطريقة روتينية اقرب الى البيانات العسكرية المقتضبة (قالت العراق ان الطائرات الامريكية والبريطانية شنت غارات على مواقع تزعم انها قواعد للدفاع الجوي في المنطقة المحظورة في شمال او جنوب العراق.. وقتل في الغارات... واصيب... وقال الناطق بلسان القوات الامريكية ان الطائرات المغيرة عادت الى قواعدها سالمة) . ومع ايماننا بان ترتيب الاخبار على صفحات الصحف وفي نشرات الاخبار الاذاعية والتلفزيونية يخضع لاعتبارات عديدة الا ان تراجع اخبار الاعتداءات الامريكية على العراق في وسائل الاعلام العربية من حيث عدد الاخبار والمساحات التي تشغلها والمواقع التي تنشر فيها سواء على صفحات الصحف او في نشرات الاخبار يؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان اجندة الاعلام العربي تخضع لاجندة الاعلام الغربي التي لا يمكن فصلها عن الاجندة العالمية للدول الغربية, كما تؤكد حقيقة التبعية شبه الكاملة التي لا زال الاعلام العربي اسيرا لها رغم التطور ومساحات الحرية التي اكتسبها في السنوات العشر الاخيرة. والواقع ان التعتيم الذي تفرضه وسائل الاعلام العالمية على الاوضاع الانسانية المتردية في العراق يدخل في باب صرف الانظار عن المأساة التي يعيشها الشعب العراقي تحت الحصار الدولي والصواريخ والقنابل الامريكية والبريطانية واذا كان هذا مقبولا من وسائل الاعلام الغربية التي تدافع عن مصالح انظمتها السياسية وشعوبها فان انسياق الاعلام العربي لها وتسليمه بالاجندة الغربية امر مثير للريبة والشفقة في آن واحد. فإذا كان تدني الاهتمام الاعلامي الغربي بحرب الاستنزاف المنظمة على العراق قد يفسر بتغير وجهة التغطية الخبرية المكثفة الى احداث اخرى اكثر جذبا للانظار والاهتمامات الغربية فان اهتمام الاعلام العربي بالقضايا الاوروبية مثلا لا يجب ان يكون على حساب اهتمامها بالحرب في العراق فالقرب النفسي والقرب المكاني الذي يميز احداث العراق وحجم الضحايا الذين يشتركون معنا في اللغة والثقافة والدين واشياء اخرى كثيرة كان يتوقع ان يقود الى تفوق تغطية احداث العراق في وسائل الاعلام العربية ولكن الملاحظ ان اخبار ما يجري داخل العراق اصبحت تحتل مساحات اقل وتنشر على الصفحات الداخلية وفي مواقع غير ملفتة للنظر في الصحف العربية كما تحتل مساحات زمنية اقل وتؤجل الى نهاية النشرات في الاذاعات والتلفزيونات العربية. ان اي تحليل منصف لمضمون ما تنشره الصحف العربية وتذيعه الاذاعات والتلفزيونات العربية عن العراق سوف ينتهي بتوجيه الاتهام الى هذه الصحف والاذاعات وليس الى وكالات الانباء التي تنقل عنها وتتبع اجندتها بل اننا نستطع ان نستخلص من مثل هذا التحليل ان الاعلام العربي يشارك في زيادة مأساة الشعب العراقي بتجاهله لواقع الازمة التي يعيشها وعدم توجيه الاهتمام الكافي لما يجري على ارض العراق من اعتداءات يومية ليس لها سند من المنطق او القانون. واذا كان الضد بالضد يعرف.. فان الصورة المقابلة والاحداث الاخرى التي يركز عليها الاعلام العربي في الشأن العراقي لا تخرج عن محاولات الولايات المتحدة دعم المعارضة العراقية في الخارج وتوسيع مساحة الخلاف بين العراق وبين الدول العربية خاصة دول الخليج من خلال ابراز التصريحات المتناقضة المتبادلة بين رموز النظام العراقي والانظمة العربية الاخرى. ولكن عزل مثل هذه التصريحات هي ما يمثل تحيزا واضحا لوجهة النظر الامريكية, فالزعماء العرب يعبرون في تصريحاتهم في مناسبات عديدة عن رفضهم لحرب الاستنزاف الامريكية البريطانية في العراق ويطالبون برفع الحظر الدولي وتأمين الامدادات الغذائية والطبية للشعب العراقي, بل ان منهم من يقدم التبرعات بنفسه ومنهم من يفسح المجال امام الجمعيات والمنظمات الاهلية لتقدم العون, ومع ذلك فان ما تركز عليه وسائل الاعلام العربية في هذه التصريحات هو ما يدين العراق ويبرر الاستنزاف الغربي المنظم لقدراته. ان الصمت الاعلامي حول ما يجرى للعراق يصب في النهاية في صالح اعداء الامة العربية الذين يريدون تحويل شعوب الامة الى جزر منعزلة منكفئة على ذاتها لا تفكر سوى في مصالحها الخاصة فقط, وتمزيق عرى الروابط الاخوية والدينية والثقافية بينها حتى يسهل النفاذ الى كل منها منفردا. ان وسائل الاعلام العربية مطالبة ربما اكثر من اي وقت مضى باظهار تضامنها مع الشعب العراقي ليس بالمقالات والتحليلات وحدها وانما بنقل الصورة الحقيقية للمأساة التي يعيشها نتيجة حرب الاستنزاف المفروضة عليه. فأيا كانت الاخطاء التاريخة التي ارتكبها العراق (الدولة والحكم) في حق شعوب عربية عديدة, فان الشعب العربي في العراق يستحق مثل هذا التضامن باعتباره الشعب العربي الوحيد المظلوم من الداخل ومن الخارج حيث النظام العالمي الاكثر توحشا والذي يحرق الزرع والبشر ويقتل الاطفال والعجائز دون رحمة او شفقة ويمنع الغذاء والدواء عن شعب جائع ومريض على مدى تسع سنوات متواصلة.