توج اجتماع للقيادة الأمريكية العربية مع الرئيس كلينتون نشاطا سياسيا متعلقا بالسياسة اتسم بالكثافة والتدفق وكان ذلك في أسبوع تجلى خلاله النضج السياسي المتزايد للأمريكيين العرب, وكان أسبوعا عالجت فيه الجالية المنظمة بعضا من أدق اهتماماتها بالقضايا المطروحة عليها , وكان أسبوعا قدر للجالية الأمريكية العربية ان تبرهن فيه على انها إذا واصلت المضي في طريق بناء نفسها كقوة سياسية مؤثرة فإنها يمكن ان تحدث فارقا له شأنه على الساحة السياسية الأمريكية. وعقد الاجتماع في نهاية الأسبوع , وكان الاجتماع الرابع من نوعه مع كلينتون, وضم تجمعا من الأمريكيين يعكس تنوعا ملموسا من الرئيس دام ساعة ونصف الساعة دارت خلاله المناقشات في قاعة اجتماع مجلس الوزراء بالبيت الأبيض. وقدم الأمريكيون العرب الذين شهدوا الاجتماع من سبع ولايات, وعكسوا خبرات وخلفيات متنوعة, وكانوا ناشطين اجتماعيين, ومحامين ورجال اعمال وأكاديميين واختصاصيين اجتماعيين. وتصدر جدول أعمال القضايا التي تم تناولها مع الرئيس قلق الجالية من عدم قيام الولايات المتحدة بابداء رد فعل قوي على قصف اسرائيل لأهداف مدنية في لبنان, كما أكدت مجموعتنا على الحاجة لأن تلعب الادارة الأمريكية دورا أكبر في دفع كل مسارات العملية السلمية في الشرق الأوسط وفي الضغط على اسرائيل للوفاء بالتزاماتها التي تعهدت بها في الاتفاقات السلمية السابقة. كذلك تحدثنا مع الرئيس كلينتون عن قلقنا من استمرار معاناة الشعب العراقي التي يتسبب بها النظام في بغداد والعقوبات الاقتصادية المفروضة على العراق منذ 10 سنوات. أما على الصعيد الداخلي فقد أبلغناه بقلقنا من قضية استخدام الدليل السري في بعض اجراءات الترحيل ومسألة رسم صورة خاصة بالأمريكي العربي وممارسة التمييز ضده في بعض قوانين الحد من الهجرة التي صدرت عام 1996 والتي تنكر تقديم الخدمات الاجتماعية اللازمة لبعض المهاجرين الشرعيين إلى الولايات المتحدة, وناقشت مجموعتنا أيضا مع الرئيس الأمريكي مسألة التزامه بالوعد الذي قطعه باستخدام المزيد من الأمريكيين العرب في مناصب داخل ادارته. واضافة إلى ان الرئيس كلينتون قد انخرط معنا في مناقشات مفصلة حول العديد من اهتماماتنا إلا ان الأهم من ذلك كان جدول أعمال المتابعة الذي انبثق عن هذا اللقاء, وبهذا المعنى فإن الاجتماع لم ينته بعد, بل أطلق عملية خاصة بحل بعض من هذه القضايا والتي سنثيرها في الأسابيع المقبلة. بعد اللقاء غادرنا وكل منا لديه مهماته التي كلف بها واقتراحاته التي سيتقدم بها خطيا وافكاره الجديدة التي ينوي تطويرها في الاجتماعات المنتظرة مع المسئولين في الادارة الأمريكية, بحيث يمكن التوصل لحل بعض المسائل التي تهم الأمريكيين العرب. نعم, هذا هو محور العمل السياسي: أي العمل لكسب القبول ثم تطوير حلول واقعية للمسائل العالقة وأخيرا بذل جهود دائبة للتأكد من تفعيل هذه الحلول. وقد أتى هذا الاجتماع بعد أسبوع من العمل السياسي الجاد بخصوص عدد من القضايا الحساسة, وعلى سبيل المثال كان هناك اجتماع طاولة مستديرة مع مسئولين من وزارة النقل حول الممارسات في المطارات, فعلى الرغم من ان هذه المشكلة قد تراجعت فعلا عما كانت عليه قبل بضع سنوات مضت إلا انها لاتزال بحاجة للمزيد من العمل, وبدا لنا ان وزارة النقل ملتزمة بالعمل مع الأمريكيين العرب لحل بعض من القضايا العالقة. إلى ذلك كان هناك أيضا مؤتمران صحافيان مهمان في هذا الأسبوع, الأول جرى برعاية من التحالف الوطني لحماية الحريات السياسية, وعقد لدعم تشريع يضع حدا لاستخدام الدليل السري, وفي هذا المؤتمر اجتمع عدد من قادة الأمريكيين العرب والأمريكيين المسلمين وجماعات الحقوق المدنية مع اعضاء في الكونجرس الامريكي يساندون هذه الجهود التشريعية. اما المؤتمر الصحافي الثاني فقد جمع معا قادة الامريكيين العرب والامريكيين المسلمين مع اعضاء من الكونجرس للمناداة بوضع حد للعقوبات الاقتصادية المفروضة على الشعب العراقي. ويذكر ان 70 عضوا من الكونجرس كانوا قد وقعوا مؤخرا رسالة الى الرئيس الامريكي يدعونه فيها للفصل بين العقوبات الاقتصادية والعسكرية في محاولة لاغاثة الشعب العراقي دون مكافأة النظام الحاكم. اخيرا, تميز الاسبوع المنصرم بنشاط سياسي انتخابي مكثف قام به الامريكيون العرب في ست ولايات امريكية. ففي ولاية كاليفورنيا , على سبيل المثال, تقدم الموفدون لمؤتمر الحزب الديمقراطي في الولاية من الامريكيين العرب بقرارات لمنع استخدام الدليل السري ووقف اعمال التمييز في المطارات وتمكنوا من تمريرها لتصبح جزءا من البرنامج السياسي للحزب في هذه الولاية. كذلك استطاع الامريكيون العرب الموفدون الى مؤتمرات الحزبين الجمهوري والديمقراطي في ولاية ايوا من تمرير خمسة قرارات حول قضايا اساسية وهي القدس وعملية السلام والعقوبات ضد العراق والدليل السري والتمييز العنصري. وفي اربع ولايات اخرى, وهي تكساس واوهايو وفرجينيا وميتشجان عقدنا لقاءات عامة في المدن حضرها حوالي الف من الامريكيين العرب. وكانت هذه اللقاءات معدة ليجتمع افراد الجالية العربية في اطارها مع منظمي الحملات الانتخابية للمرشحين للرئاسة وقادة الاحزاب السياسية. وعلى سبيل المثال, خلال اجتماع ميتشجان, مثل وزير النقل الامريكي رون سلاتير حملة جور الرئاسية, بينما مثل السناتور تشوك هاجيل حملة ماكينن في حين مثل تشوك بيريكون المتحدث باسم النواب في ميتشجان حملة بوش الرئاسية. وكان حجم التمثيل هذا استثنائيا الامر الذي ترك انطباعا رائعا لدى الامريكيين العرب الحضور. لكن المهم في الامر هو ان اللقاء كان يمثل للامريكيين العرب نمطين من الفرص السياسية: الاول نمط تقدمي يتميز بالتفكير الواعي الهادف والآخر رجعي مولع بتدمير الذات. تعتبر ميتشجان مقر اكبر جالية لبنانية في الولايات المتحدة الامريكية من المهاجرين من جنوب لبنان المحتل اضافة لكونها مقر اكبر جالية عراقية ايضا. وكلتا المجموعتين متأثرتين بشدة بمحنة ابناء بلادهم في الشرق الاوسط وتعملان بجهد لتكريس نفسيهما كقوة انتخابية قادرة على كسب تأييد الامريكيين لاحداث تغيير في السياسة الامريكية. لهذا السبب كان اللقاء يتيح فرصة مهمة جدا للامريكيين العرب للتأثير على زعيمين سياسيين مهمين وهما سناتور ذو نفوذ واسع داخل لجنة العلاقات الخارجية ومسئول في الحكومة الامريكية يدير وزارة تستطيع انهاء كل القيود المتبقية على السفر الى لبنان والمعاملة غير المقبولة في المطارات. لكن السناتور هاجيل واثناء حديثه اشار الى حزب الله على انه منظمة ارهابية. وهذا ما جعل الحضور يشعرون بالاهانة ودفع بالبعض لتصحيح معلومات السناتور وتعريفه بما يجهله عن حقيقة الوضع في جنوب لبنان. وقالت له احدى السيدات المفوهات : (ان عائلتنا تعيش في الجنوب اللبناني المحتل, واسرائيل تقتل المدنيين من شعبنا فوق ارضنا. صحيح ان حزب الله يقتل الجنود الاسرائيليين, لكن هؤلاء الجنود يحتلون ارضنا, ويلقون مصرعهم فوق ترابنا. أرادت السيدة ان تقول بأن هذا العمل يجب عدم ادانته وان ما يستحق الادانة هو الاحتلال الاسرائيلي والهجمات الاسرائيلية ضد المدنيين اللبنانيين. لكن لسوء الحظ وقبل ان يتمكن السناتور من استيعاب هذه النقطة والتفكير بها مليا بدأ بعض الحضور بالوقوف والصراخ في وجهه. وهنا انتهت المناقشة. لقد ضاعت الفرصة التي سنحت للحوار والتوعية وظل الانطباع المتبقي عن المناسبة هو الصراخ من بعض المقاطعين وليس محاولة السيدة لتحقيق التفاهم. ان هذا النوع من السياسات هو ما ساهم طويلا في ابقاء العرب في المؤخرة. ان السياسة الحقة ليست عدم المقدرة على ضبط العواطف واظهار الغضب من دون ضوابط. كما ان هذا الانفلات غير المحدود للادريناليين قد يساعدنا في ان نشعر بالارتياح للحظج, الا انه لا يساهم في التوعية او تغيير الواقع. ان السياسات الحقة, كما تتبناها غالبية الامريكيين العرب هو السير بتؤده ولكن بثبات نحو التغيير انها تعني ان نصبح منخرطين في العملية السياسية ونبني قوتنا السياسية ونكسب الاحترام والاعتراف والاصدقاء ونضع اهدافنا الواقعية ونعمل لتحقيقها. هذا هو الطريق الذي ينتهجه معظم الامريكيين العرب وكان واضحا جليا خلال المناسبات التي نظمناها في الاسبوع الماضي وعلى الرغم من تصرفات البعض, فإن الغالبية يحققون التغيير فعلا ويستستمرون في تحقيق التغيير خلال انتخابات 2000 والسنوات التي تليها.