الى أي مدى يحكم الرئيس بوتفليقة قبضته على زمام السلطة في الجزائر؟ السؤال ليس وليد لحظة.. وانما وليد تراكمات من التطورات منذ أن تولى بوتفليقة الحكم عبر انتخابات رئاسية العام الماضي. وفي الحقيقة فإن السؤال كان مطروحاً علنا في الساحة السياسية حتى قبل ان يتسلم بوتفليقة امر السلطة . فقد اتهمه منافسوه في الانتخابات بأنه (مرشح المؤسسة العسكرية) .. ثم انسحبوا كلهم من حلبة التنافس بعد ان اتهموا الجيش بالتدخل في العملية الانتخابية. الناس في الجزائر وخارجها لم يأخذوا هذا الاتهام على محمل الجد بالنظر الى الماضي الوطني المشرف لبوتفليقة كوزير للخارجية في عهد الرئيس الأسبق الراحل هواري بومدين. ورغم ان وطنية الرئيس بوتفليقة تظل حتى الان فوق الشبهات الا ان بعض التطورات السالبة التي توالت على الصعيد التطبيقي منذ توليه امر السلطة حتى اليوم تستأهل وقفة. نذكر ان الرئيس اعلن منذ الوهلة الاولى برنامجا من ثلاثة مرتكزات هي: تحقيق مصالحة وطنية سياسية وفق مشروع اطلق عليه (الوئام الوطني) , محاربة فساد الدولة والقضاء عليه, تحقيق نهضة اقتصادية تستهدف البطالة والغلاء والندرة السلعية وتدهور المرافق العامة. مشروع (الوئام الوطني) انطوى على عفو بحق من يحملون السلاح ويمارسون العنف الدموي اذا (تابوا) وألقوا سلاحهم. ولكن بعد انقضاء امد انذار نهائي في 13 يناير لا يمكن ان توصف النتيجة في افضل الاحوال الا بأنها جزئية. فمن بين ثلاث مجموعات مسلحة لم تلق السلاح الا مجموعة واحدة هي (الجيش الاسلامي للانقاذ) .. فالمجموعتان الاخريان ـ (الجماعة الاسلامية المسلحة) بقيادة عنتر الزوابري وجماعة (الجهاد والدعوة) بقيادة حسن حطاب لاتزالان تمارسان القتل الجماعي في الريف الجزائري. هنا تطرأ ملاحظتان: أولا, ترفض السلطة اطلاق سراح قادة (جبهة الانقاذ الاسلامي) ـ التنظيم السياسي لجيش الانقاذ الاسلامي وعودة الجبهة لساحة العمل السياسي السلمي كحزب سياسي. ثانيا, رغم مرور اكثر من شهر على توقف سريان العفو لم تنفذ المؤسسة العسكرية وعيدها بشن حملة ضارية على الجماعتين الرافضتين للاستسلام.. مما يوقظ شكوكا قديمة بأنهما تعملان لحساب المؤسسة العسكرية نفسها. فيما يتعلق بمحاربة الفساد فان الرئاسة الجزائرية تبدو متخوفة من الجنرالات. حيث يقال ان الجنرالات انفسهم هم الذين يديرون شبكات الفساد. ومما يلفت الانتباه في هذا السياق ان الحكومة التي شكلها الرئيس تتكون من عناصر لم يعرف عنها حماسة ضد ممارسات الفساد.. والتشكيل الوزاري نفسه استغرق تسعة شهور لكي يتبلور الى ان استقر على مجموعة اسماء مقبولة لدى المؤسسة العسكرية. واذا كان بند محاربة الفساد لم يشرع في تنفيذه بعد فانه يصبح من المبكر جدا الحديث عن الاصلاح الاقتصادي التنموي. صفوة القول هي ان برنامج الرئيس الثلاثي يواجه معوقات متعمدة. فقيادة الجيش ترفض اي اعتراف ـ فضلا عن تصالح ـ حيال التنظيم الحزبي الرئيسي في البلاد.. (جبهة الانقاذ الاسلامي) بقدر ما ترفض من قبيل حماية الذات اي محاولة يمكن ان تؤدي الى كشف شبكات الفساد.. وبالتالي يتعذر تنفيذ اصلاح اقتصادي جاد. ويبقى الاستخلاص الاخير كما يلي: اما أن يذعن الرئيس للمؤسسة العسكرية فيضحي ببرامجه السياسية والاقتصادية. وإما ان يتحداها.. فيعرض حياته للخطر. وفي كلا الحالين فان الامور قد تعود الى المربع الاول عندما يقرر (جيش الانقاذ الاسلامي) العودة الى العنف.