اذا افضت عملية التسوية النهائية لقضية اللاجئين الفلسطينيين الى الالتفاف على حق العودة, فمن البديهي ان يذهب ضحيته لها واحد من ابرز حقوق الانسان الفلسطيني بشكل محدد, لكن ما هو اعم واشمل في تأثيره من جراء خطوة كهذه احتمال الاضرار بحق العودة من الناحية النظرية فهذا الحق يقع في طليعة الحقوق المكفولة للانسان بغض النظر عن الزمان والمكان والحالات المحتملة, وذلك وفق الشرائع السماوية والقوانين الوضعية, واي اهدار متعمد له من شأنه احداث تآكل في الاصول والاسس التي يقوم عليها. وبمعنى ما لا يؤدي الاطراف المنغمسون في التفاوض حول مصير اللاجئين الفلسطينيين اية خدمة للفكر القانوني الحقوقي والسياسي المشغول بقضايا اللجوء عموما ان هم اشتقوا حلولا تتجاوز حق العودة كما هو مقرر في هذا الفكر, بل لعل هؤلاء يتسببون في التأسيس لسابقة خطيرة بخصوص التعامل مع قضايا اللجوء واللاجئين على الصعيد الدولي, وذلك من زوايتي النظرية والتطبيق. فنظريا سيكون السهر على حل للحالة الفلسطينية الاكثر امتدادا وقدما من الناحية الزمنية والاشهر عالميا يخالف الاسس المتعارف عليها بالنسبة لاوضاع اللاجئين وجوهرها فكرة العودة الى الوطن بالذات واعادة ممارسة الحياة الطبيعية في رحابه, سيكون هذا الامر بمثابة انحراف بين عن الجادة الحقوقية التي بنيت عبر اجيال حول كيفية التعاطي مع اللجوء وحالاته فالثابت بين يدي الفقه القانوني ان العودة للوطن هي افضل وانجح الحلول المتوقعة والمطلوب العطف عليها والانحياز لها اذا اجبر الناس فرادى او جماعات على اللجوء وخلال مسيرة مطولة من الجهد النظري الذي بلغ ذروته بصدور الاعلان العالمي لحقوق الانسان, اصبح من غير الانساني اطلاقا ان تنبذ التسويات السياسية قضية عودة اللاجئين ان كانت هذه التسويات تتعرض لمعضلات تنطوي على وجود لاجئين من الفرقاء اصحاب الصلة. لقد طور فقه حقوق الانسان مجموعة من المداخل لمساعدة اللاجئين اثناء الصراعات وبعدها بيد أنه كان حريصا على اعتبار هذه المداخل حلولا مؤقتة غير نهائية ومن ذلك المساعدة في اجلاء المتضررين واسكانهم واعاشتهم في ملاجىء غير دائمة وجمع التبرعات المالية والعينية في هذا الاطار وكذلك ابتكار افضل الآليات لتخفيف الصعوبات الناجمة عن الاقتلاع عن الوطن وانشاء المؤسسات المختصة بهذه الجوانب جميعها حدث ذلك بمجهودات رسمية محلية او اقليمية او دولية وكذا بمجهودات غير حكومية (مدنية او شعبية). كان الفقه الحقوقي, لا سيما نشطاء حقوق الانسان فيه, يضطلع بهذه المسكنات ولا يزال وعينه على مبدأ العودة كحق لا ينبغي المراء فيه. ولدينا الآن تراث معتبر يقرظ هذا المبدأ ويعمل النظر في اساليب صيانته والعوامل الحاثة على التمسك به. والملاحظ ان اكثر المنحازين ضد الحقوق الفلسطينية العامة في دوائر هذا الفقه, كانوا اكثر تحفظا في جرح احقية اللاجئين الفلسطينيين في العودة الى ديارهم فنادرا ما يعثر المرء على رؤى لهؤلاء تدحض هذه الاحقية من حيث المبدأ بل الشائع حتى على الجانب الصهيوني الاسرائيلي أن يثير المغرضون الصعوبات الاجرائية امام امكانية تطبيق هذا المبدأ فلسطينيا, وما يحتمل ان يترتب على اعماله بحذافيره من تداعيات سياسية واجتماعية واقتصادية وبالطبع يفعل هؤلاء ذلك وهم يدركون قوة الحجية النظرية للحق الفلسطيني في العودة وسخافة التشكيك فيها. بكلمة جامعة, فان ازاحة مبدأ العودة في سياق التسوية الفلسطينية, ستؤدي الى اقرار بأن ظاهرة اللجوء ليست مرتبطة عضويا وتلقائيا لضرورة العودة وسيبقى المثل الفلسطيني حاضرا للتدليل على امكانية النيل من مزاعم الفقهاء الحقوقيين العدول بهذا الصدد. على أن الأذى الذي ستلحقه هذه الازاحة من الناحية التطبيقية اوقع بكثير مما يبدو للعيان على الصعيد النظري, فالاصل ان حق العودة الفلسطيني مضمون بقرارات تفصيلية تواتر صدورها وتأكد عن محافل الشرعية الدولية لاكثر من خمسين عاما فاذا اهملت التسوية تطبيق هذه القرارات, فانها تؤسس للاستهانة بهذه المحافل وتجرح صدقية قراراتها وجدواها ومن نافل القول أن اشتقاق المفاوضين لحلول لا تنسجم وقرارات العودة ذات الطابع الدولي القانوني يغرى بتجاوز بقية التراث الحقوقي الفلسطيني الذي اضطلعت به مؤسسات السهر على الشرعية الدولية, الامم المتحدة بخاصة. هذا التوقع يبدو ملحا بشدة على مسار القضية الفلسطينية لكنه سيلقي بتداعياته غير المباشرة على قضية اللجوء واللاجئين في اطارها العالمي. الفكرة هنا, ان الحالة الفلسطينية ستمثل سابقة يعتد بها للاعتقاد بأن صدور القرارات الدولية المؤيدة لحق العودة لشعب ما او جماعة شيء واعمالها وتطبيقها شيء آخر. استنادا الى المثل الفلسطيني سيقال ان الاطراف المعنية مباشرة بقضية اللاجئين بمن فيهم المتضررون انفسهم يمكنهم الاتفاق طواعية فيما بينهم على اغفال تطبيق قرارات العودة. وسوف يكتسب خطاب التعنت الصهيوني الاسرائيلي صدقية بالغة فقد اصر هذا الخطاب لاكثر من خمسين عاما على عصاية قرارات الشرعية الدولية المتعاطفة مع حق العودة الفلسطيني وثبت بفعل التسوية ان هذا العصيان حقق جدواه. بطبيعة اخرى, سيمنح اهدار هذه القرارات في النموذج الفلسطيني دفعة قوية لمنطق المغرضين المشككين في قوة الشرعية الدولية, الرافضين لاعطاء القانون الدولي للاجئين وكذا شرعية حقوق الانسان وفيها حق العودة, اية ولاية على سياسات الدول. وسيكون من السهل على هذا الفريق الذي يضم كل ألوان الطيف السياسي في اسرائيل, الادعاء بأن منطقهم هو الذي انتصر في خاتمة المطاف وان القوة هي بالفعل فوق الحق في التحليل النهائي, وان على الامم المتحدة ان تكف عن التدخل في اسداء حلولها ومقارباتها تجاه القضايا محل الخلاف الدولي, وفي صدارتها قضايا اللجوء واللاجئين. لعلنا بهذا التحليل نكون اميل الى القول بأن عدم تطبيق قرارات الشرعية الدولية الخاصة بحق العودة الفلسطيني وذلك برضاء مضمر او معلن من المفاوض الفلسطيني, هذا الامر ان حدث سيعلن عن منهجية مؤذية للقانون الدولي وحق اساس راسخ في شرعة حقوق الانسان والشعوب وسوف يطلق ايادي وألسنة قوى الاغتصاب والعصيان الحقوقي لتعيث فسادا في حرية الانتقال والعودة التي تحدثت عنها المادة 13 من الاعلان العالمي لحقوق الانسان.