بالرغم من سياسة الحياد التي نهجتها النمسا في علاقتها الدولية فإنها لم تفتأ تثير اهتمام العالم, سواء بفعل ماضيها النازي, حيث كانت من الدول الأولى التي ارتكز عليها هتلر في مشروعه لاكتساح ونشر الايديولوجية القومية, أو نظرا لموقعها الذي يجعل البعض يصفها بالدولة ذات القلبين: قلب يهتف لأوروبا الغربية , وقلب يتفعال مع أوروبا الشرقية, حيث كانت صلة الوصل خلال مرحلة سيادة الشيوعية, فالماضي النازي لهذه الدولة استغلته الحركة الصهيونية خلال الثمانينات للتشهير برئيس البلاد آنذاك كورت فالدهايم, الأمين العام السابق للأمم المتحدة, التي لم تغفر له الأوساط الصهيونية تعاطفه مع الحق الفلسطيني, حيث استطاعت منظمة التحرير الفلسطينية في عهده ان تكتسب صفة عضو مراقب في الأمم المتحدة, وقد أفضى الكشف عن الماضي النازي لفالدهايم إلى عزله دوليا, ولم تتمكن النمسا من استرجاع مكانتها الطبيعية في حظيرة الدول إلا بعد انتخاب رئيس جديد. وها هي تعاود استقطاب اهتمام العالم بعدما تمكن حزب الحرية المنتمي لليمين المتطرف من تشكيل الحكومة بمعية الحزب المحافظ نتيجة اخفاق زعيم الحزب الديمقراطي الاجتماعي في تشكيل حكومة أقلية, وكما كان متوقعا, فقد أثار هذا الوضع نقاشات ومعارضة في أغلب الدول الأوروبية وخارجها, اعتبارا للانعكاسات التي يمكن ان يرتبها هذا الأمر على العلاقات الأوروبية بالاساس, لا سيما ان وصول مثل هذه القوة إلى السلطة من شأنه ان يعيد مخاوف أوروبا من احتمال زعزعة الاستقرار الديمقراطي الأوروبي, ويطرح من جديد شبح عودة الفكر النازي التعصبي إلى الواجهة. وفي الواقع يطرح مثل هذا الحدث عدة تساؤلات يمكن ان نفرز منها ثلاثة, وهي ترتبط بأسباب صعود اليمين المتطرف في بعض الدول, وثانيا مدى قدرته على تغيير الترتيبات الديمقراطية السائدة, وأخيرا ما هي الاشكالات التي ترتبها مثل هذه الضغوط على السيادة؟ إذا كان صحيحا ان اليمين المتطرف قد عرف انتعاشة في بعض الأقطار الأوروبية كما هو الأمر بالنسبة للنمسا وسويسرا والدانمارك, فمع ذلك ينبغي الاقرار أنه قد سجل تراجعا على المستوى السياسي في بعض الدول الأوروبية الكبرى, كما هو الأمر بالنسبة لفرنسا حيث ان الجبهة الوطنية قد شهدت انقساما وتراجعا واضحا, كما كشفت عن ذلك الانتخابات الأوروبية الأخيرة, لكن هذا الوضع السياسي لا يخفي حضور النزعات العنصرية والقومية التي يتغذى منها اليمين المتطرف في العالم الغربي بصفة عامة, كما تشهد على ذلك الاعتداءات المتكررة التي يتعرض لها المهاجرون في بعض الدول الغربية, وآخرها ما عانى منه العمال المغاربة في منطقة المرية باسبانيا حيث تم استغلال مقتل احدى الاسبانيات لشن حملة عدوانية ممنهجة أفضت إلى عدد من الجرحى والخسائر المادية, وهو أمر ينم عن مشاعر الحقد والكراهية ضد الأجانب, واستغلال كل ما من شأنه ان يحرك هذه النعرات, وتكشف اغلب استطلاعات الرأي عن هذا المنحى في كل الدول الغربية, حيث لا يتردد المستجوبون عن تمرير افكار ومشاعر ذات حمولة عنصرية, وقد يرجع ذلك ارتكازا على النماذج السائدة حاليا إلى ضعف القوى التقليدية في الأنظمة الديمقراطية عن ضمان تمثيلية وتأطير فعال للمواطن, فالتركيز عن البحث عن التوافق والتسويات لتدبير الشأن العام يبدو في بعض الأحيان, وكأنه أفقد الديمقراطية حيويتها المتمثلة في تدبير التناقضات والمصالح على أساس النقاش الواضح المقنع بل أكثر من ذلك يبدو ان مظاهر الفساد التي استشرت داخلها تجعلها غير قادرة على بلورة خطاب أخلاقي يتطلع إليه المواطن في خضم التحديات والمتاعب اليومية التي يواجهها بفعل التحولات التكنولوجية السريعة وانعكاساتها على الاستقرار الاجتماعي والسيكولوجي للمواطن, فسواء تعلق الأمر باليمين أو اليسار, فكلاهما لم ينج من اغراءات السلطة, ولا شك في ان هذه الريبة والتوجس الموجود بين الطبقة السياسية والمجتمع المدني يسعى اليمين المتطرف إلى استثماره من خلال خطاب أخلاقي بسيط, ولكنه أكثر تعبئة وتجنيدا, وينضاف إلى هذا المعطى عامل آخر مرتبط بمآلية الدولة في خضم المحاولات الاندماجية التي تعرفها أوروبا, والتي تعارضها بعض القوى الرافضة لفقدان الدولة لسيادتها وهويتها الوطنية, وفي كل الدول التي لم تستفد من الاندماج, فإنها قد تخضع لمشاعر القلق والخوف من انعكاسات الذوبان في كيانات كبرى, وأخيرا فإن الخوف من الأجنبي, وخاصة المنتمي إلى منظومة قيمية تبدو مغايرة قد يشكل عنصرا جاذبا نحو التفاف الناخبين حول الأحزاب القومية التي تعزف على نغمة الخصوصية والوطنية, وغالبا ما تحمل الأجنبي تبعات المشكلات والأزمات التي تعرفها الدولة, ومن الواضح انه في ظل تضخيم البعض لما يصفونه بصراع الحضارات, فإن كراهية الأجنبي تتنامى بشكل واضح. لكن هل من شأن مساهمة قوة يمينية متطرفة في احدى الحكومات, ان يفرز ممارسة مغايرة مناهضة للقيم الديمقراطية السائدة؟ من الصعب المجازفة بجواب حاسم, لكن ما يقلص من تأثير هذه الظاهرة كونها لم تستطع لحد الساعة الفوز بالأغلبية المطلقة التي تعطي لها صلاحيات كاملة للحكم, ففي حالة النمسا, فقد اضطر زعيم حزب الحرية يورج هايدر إلى تقديم صورة معتدلة عن نفسه عندما اعتبر نفسه أقرب من توني بلير وبعيدا عن اليميني المتطرف الفرنسي لوبين, علاوة على ذلك فقد تضمن برنامج الحكم تأكيدات واضحة بالتشبث بدولة الحق والقانون, واحترام حقوق الانسان فضلا عن ذلك , فقد تم اختيار الوزراء الستة من الجناح المعتدل داخل حزب الحرية اليميني المتطرف, وأخيرا فقد اعتبر حلفاء اليمين المتطرف في الحكومة, ان اشراك هذا الأخير في الحكم من شأنه ان يؤدي إلى تعديل مواقفه, والدفع به نحو ممارسة أكثر اعتدالا, لكن هذه التطمينات لا يمكن ان تخفي مخاوف المتتبعين للشأن النمساوي الذين يظلون حذرين داعين إلى انتظار الممارسة لمعرفة التوجهات الحقيقية للحكومة الحالية, وان كان هناك اقتناع تام بأن المهاجرين سيعانون من هذه الحكومة التي لا تخفي نزعتها المناهضة لهم. على صعيد آخر, تطرح هذه الحالة مجددا رد الفعل الدولي في مواجهة ما يعتبره مناهضا لقيم الديمقراطية, ومحفوفا بالمخاطر, وفي هذا الاطار يطرح تساؤل كبير حول علاقة الديمقراطية وآلياتها الانتقائية الداخلية, بردود فعل الأطراف الخارجية وهو اشكال يختزل في جوهره النقاش المستديم بين حرية اختيار الناخب لحكامه, وبين الضغوط الخارجية التي تعطي الأولوية لضرورة سيادة نظام قيمي معين, وفي هذا الصدد, فقد دافع البعض عن ضرورة احترام حرية النمساويين في تحديد مصيرهم السياسي, وبالتالي القبول بهذا التناوب على الطريقة النمساوية, أسوة بما وقع في دولة أوروبية أخرى, وأكثر من ذلك يؤكدون على ضرورة بناء أوروبا من خلال تكريس الخصوصيات التي تتمتع بها كل دولة عضو في هذا البناء الأوروبي, هذا المنطق يرفضه آخرون, وفي هذا الاطار سارعت أوروبا المعنية مباشرة بهذا التحول إلى التعبير عن رد فعلها, وينبغي الاقرار انه لم يكن موحدا, فأغلب الأحزاب اليمينية طالبت بارجاء موقف حاسم في انتظار ممارسات الحكومة, ومن الناحية المؤسساتية, فإن البناء الأوروبي قد يعاني في حالة عزله للنمسا من موقف العرقلة الذي قد تلتجئ إليه الحكومة النمساوية, وبالتالي قد فضل بعض الاجراءات التحفظية, كما هو الأمر بالنسبة لتقليص المشاركة النمساوية في آليات القرار, وتهميش الدبلوماسيين النمساويين في التحركات الأوروبية الموحدة, في انتظار القرارات المقبلة للحكومة النمساوية, ويبرر الاتجاه المناهض للحكومة النمساوية ضرورة التشدد اعتبارا إلى ان الانتماء الأوروبي يتطلب الالتزام ببعض الشروط التي حددتها الاتفاقيات الأوروبية المختلفة وكذلك يعنى بالاساس الاستجابة للقيم الديمقراطية التي يستند إليها المشروع الأوروبي الموحد, وهو يسترجع ممارسات الماضي التي لم تتعامل بصرامة مع الحركة النازية بقيادة هتلر, ليشدد على ضرورة نهج أوروبا لموقف حاسم في مواجهة اليمين المتطرف للحد من انتشاره, ومنع انتقال عدواه إلى أقطار أخرى. لكن ينبغي الاقرار ان ردود الفعل الأوروبية لا يمكن ان تحد من زحف اليمين المتطرف, والأفكار العنصرية, بل لابد من برنامج ديمقراطي واضح يسمح بمناهضة كافة أشكال التعصب والعنصرية والتطرف, وفي اعتقاد البعض ينبغي ان يعتمد ذلك على ضرورة اعتبار صعود اليمين المتطرف في مجتمع ما كمؤشر لنهوضه في دول أخرى, وكذلك تمكين الرأي العام من كشف الأبعاد الحقيقية للزعامات اليمينية المتطرفة التي تركز على تشويه التاريخ والممارسة الديمقراطية, في السياق نفسه ينبغي اعادة فتح النقاش حول المفاهيم والقضايا التي تركز عليها لا سيما ما يتعلق بالوطن والأمة والهجرة, حتى لا تبقى حكرا على هذه الدوائر. ومهما تكن حدود الموقف الأوروبي, فمن الواضح انه قد يساهم في تقليص اندفاع الحكومة النمساوية نحو سلوكيات مناهضة للديمقراطية, لكنه في الوقت نفسه يطرح على العالم برمته ضرورة التفكير في النماذج والأساليب القمينة لمناهضة كافة أشكال التعصب والتطرف بجميع أشكاله حتى لا يستفيد من التراخي الذي تعرفه الحركة الديمقراطية والتقدمية بصفة عامة, فاعادة تخصيب الديمقراطية وتحقيق العدالة الاجتماعية, واشعاع قيم التسامح والحوار, كلها مجالات ينبغي مواصلة النضال داخلها للحد من انتشار كافة الظواهر اللاديمقراطية. * أستاذ العلاقات الدولية جامعة محمد الخامس ـ الرباط ـ المغرب