من يراقب العملية التفاوضية, بين اسرائيل والأطراف العربية المعنية, وخصوصا الفلسطينية, يلحظ مدى التهالك والالحاح الذي يبديه الجانب العربي على التفاوض مع اسرائيل, حتى بات أقرب إلى حالة الاستجداء أو التسول أحيانا بالتوجه مباشرة لاسرائيل , وأحيانا أخرى بالسعي لدى الوسطاء الدوليين من أمريكيين وأوروبيين وغيرهم للضغط ـ عفوا للحديث ـ مع اسرائيل لمواصلة التفاوض, أو الالتزام بنقاط أو مواقف محددة تم التوصل إليها سابقا. وحتى أولئك العرب القابعون على بعد من حدود فلسطين, باتوا أيضا يتراكضون باحثين عن علاقة مع اسرائيل, وكأن هذه العلاقة تشكل بالنسبة لهم شهادة حسن سلوك, أو صك غفران, أو كتاب اعتماد يتقدمون به للسيد الأمريكي, لنيل الرضا والقبول في نادي النظام الدولي الجديد. وكما هو معروف, فقد كان الحال عكس ذلك, قبل الدخول الفلسطيني والعربي إلى حلبة التسوية, فقد كانت اسرائيل هي التي تسعى, وتوسط, وتضغط أحيانا لجر العرب إلى طاولة المفاوضات, وهم الذين يتمنعون. كانت اسرائيل بحاجة إلى السلام, وما لم يمنحها الفلسطينيون والعرب إياه, فلن تحصل عليه, وكان الفلسطينيون والعرب يدركون هذه الحقيقة, وقد شكلت لديهم دوما نقطة المساومة الرئيسية في المقايضة على أرضهم المحتلة, والحقوق الوطنية الثابتة للشعب العربي الفلسطيني, فما الذي تغير حتى تنعكس الآية, وتتبدل المواقف؟ هل لم تعد اسرائيل بحاجة إلى السلام؟ هل لم يعد القبول الفلسطيني والعربي باسرائيل شرطا لازما لوجودها وبقائها كإحدى دول المنطقة؟ وهل بات العرب هم الأكثر حاجة للسلام مع اسرائيل, وصار الحصول عليه مطلبهم الأساسي حتى لو كان ثمن ذلك التنازل عن حقوقهم؟ أم ان موازين القوى قد اختلت الآن فقط بحيث باتت اسرائيل في موضع التفوق, بينما كان التفوق قبل ذلك لصالح العرب؟ ان من يبني سياسته على أى من الفرضيتين, أو كليهما, يقع في خطأ كبير, فإسرائيل مازالت هي الأكثر حاجة للسلام, وهي وأصدقاؤها يعلمون ان سلامها بيد الفلسطينيين أولا والعرب ثانيا, بل ان السلام العربي ذاته بيد الفلسطينيين, فلا سلام لاسرائيل بدون الفلسطينيين, ولا العرب يستطيعون وحدهم منحها السلام بدون الفلسطينيين, لأن استقرار المنطقة كلها, بما فيها الوضع العربي, سيصبح عندها في حالة قلق, وليس استقرار اسرائيل وحدها, فرغم كل عوامل الضعف التي تعتري الموقف الفلسطيني وتحيط به, سواء كانت عوامل ذاتية أو خارجية, محلية أو اقليمية أو دولية, فإن نقطة القوة هذه التي يملكها, كافية ـ حتى لو كانت وحدها ـ إذا تمسك بها, وأحسن استخدامها, ان تمكنه من الحصول على حقوقه, وبشروطه هو, لا بشروط تملى عليه, لكن شرط ذلك هو التمسك بها, وعدم استعجال الوقت, تلهفا على مظاهر زائفة وزائلة من أشكال أو مسميات السلطة, أو التفريط بها مقابل فتات من الأرض, يطلق عليها اغواء أو اغراء اسم دولة أو جمهورية, بينما تضيع بقية الأرض, ويسقط حق العودة, وتندثر بقية الحقوق. أما الفرضية الثانية, فهي أيضا لا تبرر تسول المفاوضات من اسرائيل, أو التهالك على التطبيع معها, فتفوق اسرائيل في ميزان القوى, والعسكرية بالذات, ليس وليد النظام الدولي الجديد, ولا هو نتيجة انهيار المعسكر الاشتراكي, أو حرب الخليج وضرب العراق, انه قائم منذ قيام اسرائيل, ولم يحدث يوما ان توازنت القوى في أي حرب من الحروب الفلسطينية والعربية مع اسرائيل. وعلى مدى سنوات الصراع العربي الصهيوني التي تجاوزت الخمسين عاما, كانت موازين القوى مختلفة لصالح اسرائيل, ليس فقط من زاوية امتلاكها السلاح النووي الذي مضى عليه أكثر من ثلاثين عاما, وانما في السلاح التقليدي وتقنية استخدامه والتطور الاقتصادي, ومقارنة بتشتت الجهد العسكري العربي, واستخدامه في غير أغراضه الطبيعية, وعدم وحدة الموقف السياسي والتخلف التنموي العربي, وهدر الامكانيات الهائلة للاقتصاد العربي بعيدا عن ميادينها الحقيقية في مجال التطور, أو مجال تحرير الأرض العربية. لقد دخل الفلسطينيون والعرب إلى المفاوضات وموازين القوى مختلفة منذ زمن بعيد, وهي حالة لا يتفرد بها العرب على أية حال, فغالبا ان لم يكن دائما, ما يكون ميزان القوى مختلا بين طرفي التفاوض, إذ لم يحدث وعلى مدى التاريخ ان كان الطرفان متكافئين إذ لابد ان يكون أحدهما أقوى والآخر أضعف, بغض النظر عن درجات أو جوانب الضعف والقوة, لدى الطرفين المتفاوضين, والمهم هنا مدى شعور الطرف الضعيف بضعفه, وحسن استخدامه لعناصر القوة التي يملكها مهما كانت محدودة, وقدرته على تنميتها وكيفية تصرفه إزاء عناصر القوة لدى الطرف الآخر. هناك فرق كبير بين الشعور بالضعف, وحتى الاحساس به, وبين الشعور بالهزيمة, فمن يحمل في داخله مثل هذا الشعور يخسر قضيته قبل ان يجلس إلى طاولة التفاوض, وينحصر تفكيره أو جهده في احصاء التنازلات التي يمكنه تقديمها, أكثر مما يفكر في المكاسب التي سينتزعها, الشعور بالضعف يولد الرغبة في التحدي, والسعي لامتلاك عناصر القوة. بينما الاحساس بالهزيمة يدفع إلى الإحباط, والبحث عن أفضل شروط الاستسلام, فألمانيا واليابان استسلمتا في نهاية الحرب العالمية الثانية لأن هزيمته كانت شاملة, وليس في الميدان العسكري وحده, بل في المجال الاقتصادي و التكنولوجي, والبنية التحتية, وقدرات الحشد البشري, بينما عبدالناصر والشعب العربي في مصر والأمة العربية لم يستسلموا رغم ثقل الخسارة أمام اسرائيل عام 1967, لأن الارادة لم تهزم, ولأن الخسارة كانت نتيجة الضعف الذي طبع نواحي الحياة العسكرية وعدم السيطرة السياسية قبل وأثناء المعركة, بينما كانت طاقات الأمة وامكانياتها قائمة, ولكن لم يجر تحويلها إلى قدرات توظف في المعركة, وقد تبدى ذلك في انفجار الطاقات الجماهيرية الهائلة في مصر والمنطقة العربية التي عبرت عن رفضها للاستسلام, وهو ما أبعد الاحساس بالهزيمة عن قلب عبدالناصر وعقله, ودفعه لاعادة بناء قوته العسكرية مستفيدا من الطاقات المخزونة في الشعب والأمة. ان الهزيمة لا تسمى هزيمة إلا إذا كانت المعركة نهائية وحاسمة, ولا تكون نهائية وحاسمة إلا إذا استخدمت واستنفدت فيها مجموع طاقات الشعب والأمة وامكانياتهما في مختلف المجالات, وحساب موازين القوى لايتم على أساس عسكري بحت, بل يُحسب على أساس مجموع الامكانيات البشرية والاقتصادية والعلمية والاستراتيجية لدى كل من الطرفين, كما لا يحسب بمقياس الوضع الراهن, بل تؤخذ فيه امكانيات التطور المستقبلي, وحتى تاريخ كل من الطرفين وتراثه واسهاماته في الحضارة الانسانية, يؤخذ في الاعتبار عند حساب موازين القوى. ولو فكر العرب والفلسطينيون بهذا المنطق لما فهموا الاختلال الراهن في موازين القوى كأنه هزيمة, ولما تصرفوا كمهزومين, لأن الحالة الراهنة حالة مؤقتة, بينما نتائج المفاوضات دائمة, ولا يجوز ان نسمح للمؤقت ان يعكس نفسه بصورة دائمة فيحكم المستقبل.