يوسف عليه السلام, النبي ابن النبي, كان لفترة في حياته رئيس وزراء ووزير تخطيط في مصر. تنبأ قبل توليه السلطة بوقوع مجاعة. وعندما تسلم السلطة كان على رأس أولوياته وضع خطة لتنظيم الانتاج الزراعي والمعدلات الاستهلاكية بحيث يمكن تفادي وقوع المجاعة, وقد كان . أين مبدأ فصل الدين عن السياسة او فصل السياسة عن الدين هنا؟ كل أنبياء ورسل الله عليهم السلام يمثلون قدوة للمسلم. وأعظمهم قدوة هو أكملهم رسالة وخاتمهم.. محمد بن عبدالله عليه أفضل الصلوات والتسليم. وبقدر ما كان محمد عابدا قائما ونموذجا مثاليا للزوج والأب والمعلم كان داعية ورجل حكم, وسياسيا وعسكريا ودبلوماسيا على أفضل الوجوه. وعلى هذا الاساس تبدو دعوة فصل الدين عن السياسة او الدولة وكأنها موجهة ضد القدوة العظمى التي ينبغي ان تكون مثلا أعلى يحتذى للمسلم. عدا ذلك فإن الشعار نفسه غامض. وربما كان غموضا مقصودا منطلقا من نية شريرة. وإلا فما هو تعريف (السياسة) ؟ وما هي معايير التفريق بين العقيدة الدينية والسياسة؟ وأين تنتهي واحدة لتبدأ الاخرى؟ الذين يتبنون هذا الشعار لا يتفضلون بالاجابة عن هذا السؤال المبدئي وفروعه. فهل المقصود بالسياسة هو الشئون والقضايا العامة في مجتمع ما على اطلاقها؟ ام ان المقصود هو شئون الحكم؟ المسائل والقضايا والشئون التي تتصل بالحكم تتعلق بأشياء مثل العدالة والنزاهة واستشعار المسئولية العامة وادارة المال العام من حيث اكتسابه او انفاقه.. ثم علاقة الافراد او الجماعات بالحكم.. ومسلك الحاكم نفسه. وكل هذه وغيرها لها في الاسلام قواعد ومبادئ وأحكام تضبطها من قبيل الحلال والحرام والمباح وغير المباح والفرض والتطوع.. لا كضوابط دستورية تفصيلية في كل الاحوال يمكن ان تسقط صلاحيتها بتغير ظروف الزمان والمكان وانما كخطوط عامة ثابتة وخالدة, ومما يروى في الحديث الشريف: (لا يقدم احدكم على شيء حتى يعلم حكم الله فيه) . الذين يتبنون شعار فصل الدين عن السياسة من بعض المثقفين المفترض ان يكونوا مسلمين على قسمين: قسم يمثلون امتدادا فرعيا للحملة الغربية ضد المد الاسلامي العالمي التي تستهدف الحد من عنفوان هذا المد بمحاولة تجريد الاسلام من جوهره كمنهاج شامل للحياة بغرض تحجيمه لمستوى دور سلبي في العبادات الفردية لاسقاط أشياء جوهرية مثل الامر بالمعروف والنهي عن المنكر والجهاد والنهوض ضد الظلم والظلمة والتضامن بين الشعوب الاسلامية. اما القسم الثاني فهم من يتبعون اهل القسم الاول عن جهل.. جهل بالاسلام وجهل بطبيعة التوجه (العالماني) في الغرب من حيث جذوره التاريخية كصراع له مسوغاته الموضوعية بين مؤسسة الكنيسة ومؤسسة السلطة. وأعرف مثقفين عربا مسلمين يتخذون موقفا حادا عدائيا تجاه الماركسية ولم يروا حتى غلاف كتاب (رأس المال) لكارل ماركس. وأيضا اعرف مثقفين عربا ومسلمين يعارضون (الاسلام السياسي) ويتبنون الفكر العالماني بينما لا يتذكرون اخر مرة رأوا فيها مصحفا.. وحظهم من الاطلاع على التاريخ الاوروبي الحديث يكاد يكون صفرا.