اذا أردنا ان نتحدث عن حرية الرأي والتعبير, وحرية الصحافة تاليا, وكما ينادي بذلك الكثير من الرموز السياسية والاجتماعية والثقافية, فعلينا ان نميز تماما بين ابداء الرأي, سواء كان هذا الرأي نقدا أو اعتراضا أو اشادة, وبين الدخول في دائرة الاغراض والاهداف الضيقة المؤدية إلى التجريح أو الهجوم أو التشكيك في الدوافع والطعن في النوايا والذمم. كما ان على المجتمع ان يحصن نفسه بقانون واضح يفصل بين الخصوم ويحكم في قضايا الرأي بنزاهة قانونية بعيدا عن التدخلات والتداخلات, فاللجوء إلى القضاء النزيه والمستقل احد الضمانات الضرورية أو لنقل بأنه حجر الزاوية في تكريس واقع نتمناه جميعا يتمثل في وجود حرية الرأي والتعبير في المجتمع, وبدون هذا السلوك فان اختلاط (الحابل بالنابل) هو النهاية الطبيعية لأي حوار يحتمل خلافا أو وجهة نظر اخرى. ان مجتمعاتنا العربية لم تترب على لغة الحوار, كتنشئة داخل الاسرة, وكعلاقة قائمة بين الافراد وخاصة الذين يمثلون مستويات مادية ووظيفية واجتماعية وسلطوية متباينة أو متفاوتة ولذلك فعادة ما يحتفظ الصغير (سنا ووظيفة ومركزا اجتماعيا) برأيه ويفضل الصمت وعدم الاعتراض على الكبار, حتى وان كانوا على خطأ, فهكذا تربى وتعلم وتلقن طوال حياته, فتكرس فيه مفهوم خاطىء ومدمر قوامه ان الاعتراض أو النقد مرادف لقلة الادب أو العيب أو تدني الاصل أو الحماقة. لقد كتب الاستاذ احمد بهاء الدين ـ رحمه الله ـ في احد اعمدته التي كان ينشرها في (الاهرام) ما يلي: (كتب احد الزملاء يقول ببساطة قاطعة: لا يجوز التعليق على احكام القضاء في مصر, هذا هو المبدأ الذي يؤكد سيادة القانون واحترامه!! ثم قال: ان الاشادة بحكم تستوي مع نقده وعدم الاقتناع به, وان سيادة القانون ينبغي ان تجعلنا نلزم احترامه في جميع الاحوال بلا نقد أو اعتراض. ويمضي (بهاء الدين) معلقا على رأي هذا الزميل: ولو سأل صاحب هذا القول اي تلميذ في كلية الحقوق لقال له انه مخطىء, ان الممنوع بحكم القانون في كل مكان (ليس في مصر وحدها) هو الاساءة إلى القاضي بالطعن في شخصه, أو تجريح ذمته, او التشكيك في دوافعه.. الخ, أما (التعليق على احكام القضاء) فهو امر جائز ومسموح به ويمارس كل يوم في كل العالم, ذلك ان التعليق يتناول (الرأى) و(الاجتهاد) ولا يتطرق إلى شخص القاضي وضميره ودوافعه) . انتهى اذا كان هذا هو الحال مع القضاء , فماذا بشأن بقية سلطات ودوائر المجتمع الاخرى, والتي يقوم بالاداء فيها والعمل اشخاص يجتهدون قدر طاقتهم, وعليه فان الخطأ وارد والتجاوز كذلك, ومن هنا فان النقد والاعتراض والتقويم امر طبيعي جدا, وهو نقد يصب على الاداء والعمل وليس على شخص من يؤدي سواء على ذاته أو سمعته ما لم يتجاوز بقصد ويصل إلى حد الخروج على القانون العام للمجتمع. ومن هنا فان حرية الرأي أو الرأي الآخر حق مكفول للجميع في الحدود المرسومة والمقننة.