يمكن لمن يشاء ان يلمس ويلاحظ ان هناك اختلالا واضحا في العلاقة بين المثقف والسياسي في حياتنا العربية, فالسياسي لايكتفي بالحكم فقط وانما يسعى الى تحديد مصائر البشر ويصوغ انماط حياتهم وتوجهاتهم الاجتماعية والفكرية والسياسية . انه يروم الى احتلال كامل واجهة الحياة, وعبرها يمنح الآخرين ادوارهم ويحدد لهم وظائفهم واحجامهم. ويمكن ان يرى ذلك بوضوح في الطريقة التي تتم بها عملية صناعة القرار على مختلف الاصعدة (وسواء على مستوى الحكم او المعارضة) بما فيها تلك اللصيقة بدور المثقف التقليدي. ان الاتجاهات العامة المتعلقة اليوم بالاسرة والحياة الاجتماعية والجوانب الروحية والابداعية لايصوغها المثقف, وانما السياسي. لقد كف المثقف ايضا عن اداء وظيفته الطبيعية بوصفه العنصر المهيأ لاستشراف المستقبل ووضع المفاهيم وصياغة الافكار, واصبح مجرد شارح لماهو كائن اكثر منه منتجا له. ويمكننا ان نمضي طويلا في توصيف وتقرير جوانب الخلل بين المثقف والسياسي, غير اننا نؤثر الانتقال الى الاسباب والظروف التي اوجدت مثل هذا الخلل, او على الاقل جعلته عميقا وفجا بهذه الصورة. وقبل ان ننتقل الى الاسباب والظروف, نجد لزاما التعريج وان بسرعة على موقع المثقف نفسه داخل المجتمع العربي, لنرى المكانة التي يحتلها وهنا نتساءل هل يساعد المجتمع المثقف على القيام بدوره بكل حرية واستقلالية؟ هل يعطيه المجال كي يعمل ويكتشف وينبه ويتداول بصورة حرة وناقدة في مجموع الافكار والتصورات التي تشغل اذهان الناس؟ ونجيب عليها تباعا وبسرعة ايضا ان صورة المثقف في الذهنية العربية لا تخرج في العادة عن اثنين, اما مثقف (ملتزم) في اطار العمل السياسي, واما مثقف (انتهازي) مرتبط بالحكومة او (تابعا) لها في افضل الاحوال. هذا التصنيف التقليدي يكشف بدوره عن خلل عميق في الذهنية العربية لماهية المثقف ولدوره ووظيفته. كما ينم عن رغبة متأصلة وميل متعاظم نحو الفرز والتصنيف. ان هذه العقلية لا تتصور المثقف خارج اطار التبعية لهذه الجهة او تلك (للحكومات او المعارضات) كما لا تتصوره سوى بوصفه مكملا لجهود الآخرين او دائرا في فلكهم. فالمجتمع العربي لا يطيق المحايدين ولا المستقلين ولا المعتدين بآرائهم وافكارهم. انه يصفهم بالمتعالين او المغرورين او الجالسين في قصورهم العاجية. ولكن اليس من شروط الابداع الاولية, واليس من شروط الثقافة الجادة, والاستقلالية في الرأي والتفكير! ان أي مثقف لا يمكن ان ينتج عملا معرفيا حقيقيا, ان هو لم يتخلص مع الوقت من القيود والاطر المحددة لتفكيره, أيا كانت الاغراءات والجاذبية التي تتمتع بها هذه الاطر لدى الناس. والحال انه اذا كان المواطن العادي يرفض استقلالية المثقف, ويرى فيها نوعا من عدم الالتزام (بقضايا الناس) فمن باب اولى ان يرفضها كذلك السياسي لانه يرى فيها خروجا عن سلطته وعدم اعتراف بدوره. اذا فان اول الاسباب التي تؤدي الى الاخلال بالتوازن بين المثقف والسياسي لصالح هذا الاخير, ومن ثم تعوق خلق المثقف الحقيقي والجوهري, هي انعدام الاستقلالية. ولسنا نقصد بالاستقلالية هنا التحرر من كل ارتباط يربط المثقف بمجتمعه فالمثقف ليس كائنا خرافيا وهو لا يوجد معلقا في الفضاء انه بكل تأكيد جزء حيوي من المجتمع الذي يوجد فيه. وانما نقصد بها, استقلالية الدور الذي يوجد فيه المثقف ومن خلاله ينطلق نحو صياغة افكاره والتعبير عنها بكل حرية. مثل هذا الموقع المستقل لم يسنح ان يحتله المثقف العربي, الا نادرا, وغالبا بثمن باهظ, فكل شريحة اجتماعية تريد من المثقف ان يعبر عن ارائها وكل اطار سياسي يسعى الى خلق مثقفيه الذين ينظرون له ويعبرون عن افكاره ويدافعون عنها. وبالتأكيد فان الحكومات هي الاخرى, بوصفها تنظيمات سياسية في نهاية التعريف, ترمي الى تكوين مثقفيها الخاصين بها والذين يحملون لواء افكارها. وهكذا فان الدائرة الاجتماعية والفكرية التي يتحرك بداخلها المثقف, ترسم له في العادة حدود حريته وحدود الدور الذي ينبغي عليه ان يلعبه, انه لا يستطيع ان يخرج عن هذا الدور, والا اعتبر متمردا او خائنا لافكار ومصالح الشريحة التي يعبر عنها. وقد خسرت الثقافة العربية شخصيات مبدعة وموهوبة, لا لسبب سوى قهر حريتها وتقييدها في اطار الحدود التي التزمت بها. فهي اعتبرت ان المثقف لا بد له من ان يلتزم بموقف اجتماعي او سياسي, والا عد اشتغاله وتفكيره مجرد عبث او ترف لا لزوم له. ونسيت ان الالتزام, بمعنى التقيد ضمن اطار فكري محدد, هو تحديد لحرية التفكير, ومن ثم فهو مناف لعملية الابداع نفسها! ان حدود الحرية, او تحديدها, هو السبب الثاني الذي يمكن ان نعزوه لاختلال العلاقة بين المثقف والسياسي, فلا يمكن لأي مثقف ان يعتبر نفسه مثقفا حقيقيا, وقادرا على لعب دوره يصدق, وهو محدود االحرية. اما السبب الثالث فهو حرية النقد فمن الملاحظ ان كثيرا من التيارات الفكرية والسياسية, وان اعطت المثقف موقعا متميزا في اطار مرجعيتها, الا انها تقصر دوره على مسائل التنظير والتحريض والدعوة, فهو في نهاية المطاف ليس اكثر من شارح او داعية او ناقل للافكار والشعارات التي تتبناها تلك التيارات. انها تحرمه في المقابل من الاقتراب من مواقع النقد لمرجعيتها الفكرية والسياسية, وان فعل فانها تقذف به الى خارج الدائرة, وربما لجأت الى تصفيته معنويا او جسديا اذا توفر لها ذلك. فاذا كان السياسي في هذه التيارات يتولى اعداد البيانات والمذكرات السياسية والتذكير بالمواقف والثوابت, الخ.. فان المثقف يتولى شرح الجانب الفكري والثقافي الذي يدور في فلكها. لكنه بذلك انما يتخلى عن احدى اهم وظائفه وهي النقد. ليس نقد الافكار والاراء التي يعارضها, فهذا تحصيل حاصل, وانما ايضا فحص الافكار والاراء التي يتبناها تياره ونقدها. ومعنى الفحص والنقد هنا هو الكشف عن مواطن الضعف مثلما مواطن القوة, واوجه الاكتمال, مثلما القصور, بغية التطوير والاضافة والازاحة والحذف.. الخ. من الواضح ان هذه العملية تبدو غير متصورة او متوقعة ذهنيا, وذلك لأن الانسان حينما يختار موقعه الفكري او الثقافي في اطار تيار معين, فانه يكون متبنيا له بالكامل, فلا يعود من الطبيعي او المنطقي ان ينقده, لكنها تبدو كذلك فقط بسبب الهيمنة الفكرية التي يقع المثقف تحت طائلتها بسبب انتمائه هذا, والتي تشكل بالنسبة اليه عملية تنويم مغناطيسي فكرية, ان جاز التعبير. لكنه بمجرد ان يصحوا منها بفعل بعض الازمات او الانتكاسات التي يمر بها ذلك التيار, حتى يصبح قادرا على ممارسة عملية النقد والفحص, وما ان يبدأ بفعل ذلك, حتى يجد نفسه في حالة اشتباك وصراع عنيف معه. ان التيارات الفكرية والسياسية العربية حينما تؤدلج مثقفيها, وتقيدهم في حدود طاقتها الاستيعابية الضيقة, فهي انما تحرمهم من القدرة على النقد الحر والجوهري. انها تحد من قيمتهم وتأثيرهم على المدى البعيد, وبالتالي فهي تجعلهم في نهاية المطاف في موقف اضعف امام السياسي, وفي معظم الاحيان مجرد تابعين له. لا بد ان نذكر هنا على سبيل المثال لا الحصر, ان كما هائلا من الكتابات القومية والماركسية التي كتبت في سنوات الخمسينيات والستينيات والسبعينيات قد اصبحت كما مهملا يعود اليه الباحثون بغرض التأريخ ليس الا, ولو قدر لأولئك ان ينحوا منحا اخر أو كان فكرهم ونظرتهم مطلقة السراح من اسار الايديولوجيا, لربما استفدنا كثيرا من كتاباتهم حتى يومنا هذا. إذن لدينا ثلاثة أسباب لهذا الخلل هي انعدام الاستقلالية ومحدودية الحرية وانعدام ملكة النقد لدى المثقف, وهي أسباب كما نرى يساهم في احداثها وتكريسها المجتمع برمته, سواء عبر سلطاته أو عبر قواه وتياراته السياسية. بالطبع هناك أسباب أخرى يمكن ارجاع ذلك الخلل إليها بهذه الصورة أو تلك وبوصفها أسبابا عامة, من قبيل هيمنة موروث الاستبداد السياسي والاجتماعي, على الحياة العربية والذي يجعل أمرا مستعصيا التعرض على نطاق واسع لقضايا مثل العلاقة بين الحاكم والمحكوم من زاوية الحقوق والواجبات, أو علاقة الدين بالدولة أو القيام بقراءة نقدية مقارنة للنصوص في ضوء النظريات والدراسات الحديثة..إلخ. وهناك أسباب تتعلق بالعامل الاقتصادي والضغوط التي يواجهها المثقف العربي, من زاوية الاعتماد المالي والمعيشي. وانما ركزنا على الأسباب الثلاثة تلك, باعتبار ان مكوناتها هي الأدوات الوحيدة والأولية تقريبا التي يملكها المثقف, ويستطيع بواسطتها ان يشتغل على الواقع وعلى الفكر وعلى مشكلات المجتمع بصورة عامة, وبدون امتلاكها لا يستقيم فعل الثقافة والابداع. والخلاصة التي يمكننا الخروج بها بعد ذلك هي اننا إذا شئنا ان نعيد التوازن بين المثقف والسياسي إلى حالته الطبيعية, وجب علينا ان نميز ونعزل بين ما هو ثقافي وما هو سياسي ليس بالمعنى الحرفي للكلمة, وانما من ناحية الموقع والدور والوظيفة, ثم وجب علينا ان نعيد للمثقف استقلاليته وللثقافة فعلها الابداعي المتحرر من القيود والقوالب. من المفارقات المثيرة هنا مثلا حوادث طرد بعض المثقفين أو المفكرين أو الأدباء من اتحاد الكتاب العرب, لمجرد انهم جلسوا, أو تحدثوا أو تحاوروا في ندوة أو مؤتمر مع نظرائهم من الاسرائيليين وذلك تحت طائلة تهمة مكافحة التطبيع. من الواضح ان هذه التهمة الأخيرة هي تهمة سياسية بالدرجة الأولى في حين ان اللقاء بين أي مثقفين لا يمكن ان يدرج في خانة العمل السياسي, مهما كانت الظروف والملابسات المحيطة به. بالاضافة إلى اتحاد الكتاب في اطار ثقافي, ما لم يستقم معه ان يحاكم أعضاءه انطلاقا من موقف سياسي أو بناء على تهم سياسية, إلا اذا كان يعتبر نفسه حزبا, ويعتبر أعضاءه سياسيين وليس مثقفين في المقام الأول! ان مثل هذا التصرف قد لا يضير كاتبا كبيرا ومرموقا في شيء, لكنه يضير الثقافة نفسها, ويضير دور المثقف, فإذا كان اتحاد الكتاب (وهو تجمع لمثقفين بالأساس) يتصرف على هذا النحو تجاه أحد أعضائه, فما هو المتوقع من السياسي ان يتصرف تجاهه! لابد ان يشعر بالغبطة وربما الشماتة أيضا, فثمة نقطة جديدة أضيفت في رصيده ودونما أي جهد أو تعب.