ليس الحب صورة فوتوغرافية معروفة.. ليس له عمر محدد.. فهو أحيانا مراهق ينتظر الفتيات على أبواب المدارس الثانوية.. وهو أحيانا شخص وقور يفقد صوابه وهو يشاهد فيلم السهرة أمام التلفزيون.. وليس له ملامح ثابتة.. فهو مرة قرن فلة.. ومرة قنبلة.. وليس له بطاقة تأمين صحي .. فهو قد ينافس الزمن في البقاء.. وقد يموت بالأنفلونزا الآسيوية.. وليس له أصل معروف.. ولا شجرة عائلية يمكن الرجوع إليها.. فهو أحيانا مجذوب يجلس على باب السيدة زينب.. وأحيانا خبير في برامج الكمبيوتر.. وليس في ملفات البوليس معلومات أكيدة عن وجوده وديانته وجنسيته وانتماءاته السياسية.. ولكنه في المحاكم يبدو في كثير من قضايا القتل والاختلاس. الرومانسيون يقولون: إنه هبط ليلا على شعاع فضي للقمر.. واشترى ديوان شعر لصلاح عبد الصبور.. وجيتارا.. وأغنية (قارئة الفنجان) لعبد الحليم حافظ.. وعلبة من حليب النجوم لا تنتهي صلاحيتها.. وتسلق أول نافذة صادفته.. وراح يعزف موسيقى أقمارا وأزهارا وفراشات ملونة محشوة بعسل النحل.. وعندما بدأت الشمس في الشروق اختفى. المعمرون يصرون ويقسمون على أنه لا وجود له الآن.. وأنه قد انتحر منذ سنوات في اللحظة التي عرف فيها الناس الشيكات السياحية.. والمضاربة في البورصات العاطفية.. في اللحظة التي تحولت فيها العلاقة بين الرجل والمرأة إلى مزاد.. وعرض وطلب.. ومكياج.. وأقنعة.. وصرافة.. وسوق سوداء.. في اللحظة التي تزاوجت فيها الثروة والسلطة بحثا عن القوة. المعمرون يقولون أيضا: أن كل ما يجري حولنا لا يسمح بعودة الحب إلينا.. فقد أصبحنا نعتبر تحلية البحر أكثر أهمية من حلاوة الشعر.. وأصبح صوت محرك سيارة فارهة أجمل من صوت قلب العشق.. أصبحنا نعشق جسرا من الأسمنت أكثر مما نعشق امرأة ناعمة.. رومانسية.. وأصبح حماسنا لدخان المصانع أكثر من حماسنا لرائحة العطر.. لقد هجرنا الحب وتوارى في مغارة مهجورة في صحراء بعيدة يشكونا إلى الله.. ويدعو لنا بالهداية العاطفية قبل أن تسحقنا البلدوزرات المادية. نساء المدينة يقلن: إنه دخل عليهن عصفورا ربيعيا أخضر.. فنقر الشفاه.. وفك ضفائر الشعر.. ولعب بأصابع اليد.. وحول عواطفهن إلى سيمفونية من الهمسات والارتعاشات.. وعندما رحن يتحدثن عن المهر والشقة وأواني الطهي التي لا يلتصق بها الطعام.. هز جناحيه وطار. التجار يتحمسون.. ويقولون: إنه بضاعة رائجة يموت السوق بدونها ويسوده الكساد.. فهو يباع في مراكز التسوق.. ومحلات العطور.. والزهور.. وعلى أغلفة المجلات.. وفي الروايات.. وأفيشات الأفلام.. أن كلمة الحب عندما تنزل السوق تساوي مليار دولار.. وعندما تبقى في القلب تساوي كنوز الدنيا. السياسيون يربطون بين الحب والواقع.. يقولون: إنه ما اجتمع رجل وامرأة إلا وكانت القرارات الحكومية ثالثهما.. فالحب يتأثر بالاقتصاد.. وبمعدلات البطالة والتضخم وارتفاع الأسعار.. والحب أصبح خاضعا للضغوط الدولية.. والعمولة.. والصراع العربي الإسرائيلي.. والنظام الدولي الجديد.. فعندما يقدم شاب في جنوب لبنان زهرة فلابد أن تكون حمراء في لون دم الشهداء الذين يتساقطون كل يوم برصاص العدو الإسرائيلي.. وعندما يضع شاب مصري قلبه في علبة من القطيفة ويقدمه (شبكة) لمن يحب فإنها غالبا ما تسأله عن عيار هذه القلب وترفضه بحثا عن عيار من الذهب موقع عليه من مصلحة الموازين والدمغة.. وعندما يتجرأ شاب في الجزائر ويهمس لزميلته في الجامعة بنظرات الحب فإنها غالبا ما تجري خوفا من الذبح على الطريقة الإرهابية.. إن الواقع المؤلم فصل الحب عنه.. فأصبح الشعار السائد هو ما سبق أن كتبه إحسان عبد القدوس في روايته "هذا أحبه وهذا أريده".. فالحب شئ.. والحياة شئ آخر.. في إشارة واضحة منه لانتهاء العواطف وسيادة شرعية المال.. لذلك تكثر حالات الانتحار والخيانة والاكتئاب واليأس.. وتتلاشى المسافة بين بيوت الزوجية ومستشفى الأمراض النفسية والعصبية. المعماريون يقولون: إنه لا يرتاح في الأماكن الضيقة.. فهو بحاجة لسماء كي يطير.. وبحاجة لحديقة كي يختبئ وراء الأشجار.. وبحاجة لبحر كي يلعب مع الأمواج والأسماك.. وأنه في المساكن الضيقة التي نبنيها الآن يرتطم بالزجاج فيكسره.. ويرتطم بالجدار فيتألم.. وعندما يخرج من المستشفى طلبا للعلاج لا يتحمس العودة. لكن.. الشعراء لا يوافقون على ذلك.. انهم يرون أن الحب والشعر (لا يرتاحان إلا في الأماكن الضيقة) .. ويقول واحد من سادتهم: (في الأماكن الضيقة تصبح الجدران أكثر اقترابا.. ويصبح خشب المقاعد أكثر شبابا.. وتأخذ الكلمات أشكالا خرافية.. في الأماكن الضيقة تتغير هوية الأشياء.. تصبح يد حبيبتي مكان يدي.. وفمها كتابا أقرأه قبل أن أنام.. ودبوسها المنسي على الطاولة حمامة لا تريد أن تطير. الشعراء يصرون على أن الحب هو ماء الحياة.. بغيره لا يمكن للحياة أن تستمر.. بغيره لا توجد حركة لشئ.. لكائن يتنفس.. لريح تسافر.. لنجوم تبرق.. لخيول تصهل.. لأصابع تجري على الورق.. لعيون تلمع.. لرحم يشتهي طفلا.. لموسيقي تطرب نفسها وتطربنا.. للوحة تنادي ألوانا لا تعرفها.. لزاهد يذوب في الله عشقا.. لفراشة ترتدي أجمل ملابسها وتحوم حول الناس والضوء وتقول (امسكوني) . ولو كان عقلي مع السياسيين والمعماريين والمعمرين فإن قلبي مع الشعراء والعشاق.. فالحب هو المنحة الإلهية التي تجعلنا نحتمل خشونة الحياة.. وقسوتها.. هو المرهم الذي يخفف الحروق والالتهابات التي تحدثها الحروب.. هو الشحم الذي يمنع الصدأ والاحتكاك.. هو الحرية التي نمارسها مع أنفسنا فلا تهاجمنا الكلاب البوليسية او تنهشنا بأسنانها الحادة أو تقبض علينا بتهمة سوء السلوك وقلة الأدب.. بدون الحب لا مجال للطفولة.. وتسيطر الشيخوخة.. وتموت الأحلام.. وتتحول البالونات إلى مفرقعات خطرة.. بدون الحب لا نعيش طفولتنا.. لا نلعب بالطائرات الورقية.. ولا نصنع بيوتا من رمال دون أن نحزن على ذوبانها في الأمواج.. بدون الحب تتقوس ظهور الصغار.. ويسود العالم القبح.. وتتراجع مساحة الرحمة.. ويختفي بيكاسو وبابلو نيرودا ويوسف إدريس ونزار قباني وصلاح عبد الصبور وعدلي رزق الله ونجيب محفوظ وأحمد عبد المعطي حجازي.. ويسيطر على الوجود أودلف هتلر ودراكولا ونيرون وبوكاسا الذي كان يفطر بعيون الأطفال, وبيريا الذي كان يتعشى بجثث المعارضين السوفييت. الحب هو الذي يجعل الإنسان إنسانا.. لا بلاطة.. هو الذي يجعله ينقب عن المشاعر لا عن المعادن.. هو الذي يلغي المساحة بين الحزن والفرح.. بين الخيال واليقين.. بين الضحك والبكاء.. وقد يفرض علينا الحب بعض الحماقات الصغيرة.. والنزوات الصغيرة.. لكن.. هل في الدنيا كلها طفل ليس له حماقاته أو نزواته حتى طفل الأنابيب؟ وليس من السهل أن نعرف ما هو الحب؟.. لكن من السهل أن نعيشه.. ولا نضيع وقتنا في تفسيره.. ولسنا في حاجة لدليل أو مرشد سياحي لنعرف أين يسكن الحب؟.. ولا في أي فندق يقيم؟.. فالحب يقيم بين الضلوع.. وأقرب إلينا من حبل الوريد.. ولسنا في حاجة لمخبر بوليسي ليطارده ويقبض عليه وهو يجلس على المقهى يدخن سيجارة ويشرب (النيسكافيه) فالحب لا يأتي بالأمر.. ولا ينفذ أحكام المحاكم .. ولا يلتزم بقوانين الطوارىء.. إنه يأتي إلينا في الوقت الذي يشاء لا في الوقت الذي نشاء.. ويهجرنا عندما لا يستريح.. وليست على ظهر الأرض قوة تجبره على البقاء. وليس من السهل التعامل مع الحب على طريقة التدبير المنزلي وبرنامج الطهي الشهير (صحي ومفيد) .. فلا يمكن أن يشرح لك أحد كيف تحتفظ بالحب.. ولا كيف تحصل عليه.. فهو لا يتكون من ضرب البيض والدقيق والزبدة والمشاعر والآهات وقصائد الشعر.. ووضع العجين في الفرن لمدة عشرين دقيقة للحصول عليه.. وهو لا يحتاج لساحر أو مشعوذ يضعه في حجاب محبة الآخرين فأنت في هذه الحالة ممثل ولست عاشقا. والحب كائن رقيق.. يحتاج لرعاية.. يحتاج لمن يأخذ بيده.. ويطعمه.. ويغير له ثيابه.. ويخرج به للهواء الطلق.. ولو قابلنا هداياه الملونة بالإهمال هرب بجلده.. وفشلنا في العثور عليه.. ولأنه لا يشاهد التلفزيون.. ولا يقرأ أبواب المفقودين في الصحف فإن لن يستسلم لكل نداءات العودة إلينا. الحب يعيش على الحب.. الحب يحتاج إلى حب.. وعندما لا يجد الحب ما يتغذى عليه يموت.. تموت معه أشياء جميلة نحسها ونعرفها.. فعندما نحب.. نرى الحب في كل مكان.. وفي كل الأشياء.. في كلمات الأغاني.. وقصائد الشعر.. وأطباق الطعام.. وألوان الثياب.. وأفلام السينما.. وكراسات الرسم.. وعندما تعود هذه الأشياء لطبيعتها الصماء.. الجافة.. يكون الحب في ذمة التاريخ.. يكون قد دخل (الفريزر) .. أن الانتقال من السخونة إلى البرودة يعني أن الحب يمكن أن يموت.. وعلامات الموت أن نفقد القدرة على الجنون.. ألا نشعر بالحنين.. أن نسترد الوعي.. أن تنفصل الأشياء عن من نحب. لكن.. الحب يعود من جديد.. يدق أبواب القلب.. مانحا لنا فرصة أخرى.. لعلنا نكون قد تعلمنا كيف نعامله ونحافظ عليه.. فنحن في كل سن يمكن أن نحب.. في العشرين.. في الأربعين.. في السبعين.. دائما هناك مناسبة للاشتعال.. للزلزال.. رغبة في تزاوج الحلم والواقع.. المعقول واللامعقول.. في تداخل الفصول والشهور.. فنشعر بالدفء في يناير.. ونرتعش من الوحشة في أغسطس.. وتورق الأشجار في نوفمبر.. فالحب هو الجنون الوحيد الذي يجعلنا نحافظ على عقولنا. على أن نظرتنا للحب تتغير أحيانا بمرور الزمن لمئات التعديلات والتغيرات.. ويرسم نزار قباني الخط البياني للحب.. فيقول: إنه في سن الخامسة عشرة يكون الصبي مستعدا أن يحب حتى قطة البيت الأنثى.. وفي العشرين يحب الفتى أول جارة له يراها وهي تنشر الغسيل.. وفي الخامسة والعشرين عندما يذهب الطالب إلى أوروبا للتخصص يقع في غرام أول جرسونة تقدم له الطعام في مطعم شعبي.. وفي الثلاثين يصبح الحب لدى رجل الأعمال صفقة تجارية محسوبة.. وفي الخمسين.. يبدأ الرجل يراجع حساباته القديمة.. ويتذكر أهم انتصاراته.. وينسى أن يتذكر هزائمه.. وفي الستين يتراجع عقل الرجل 180 درجة مئوية إلى الوراء.. ويبدأ في البحث عن فتاة في عمر حفيداته.. ليؤكد سخفه وانهيار ملكاته ومواهبه العقلية.. هذا هو الخط البياني للحب.. وهو يبدأ بمراهقة الجسد.. وينتهي بمراهقة العقل.. والذكي عقليا وعاطفيا من يتمسك بالحب المناسب مهما كانت الظروف. لقد تدفقت هذه الخواطر عن الحب عندما وجدت الدنيا تحتفل بعيد الحب.. وعندما وجدت المصريين يتحمسون لهذا العيد وتزايد اهتمامهم به هذا العام.. وقد أسعدني كثيرا.. فالناس عندما تفكر في الحب وتصر عليه مهما كانت الظروف فهذا يعني أن قلب المجتمع لا يزال ينبض بصورة طبيعية.. ولايزال في صحة جيدة. إن مستوى المجتمعات والشعوب يقاس على مد جسور الرحمة والتفاهم بين مواطنيها وأفرادها.. وهناك مجتمعات تعيش بقلب بارد.. بلاستيك.. مجتمعات قطعة جسورها مع الحب.. وبالتالي قطعت جسورها مع الله.. وشعوب أوصدت أبوابها في وجه دفء الحب وأغرقت نفسها في الجليد والزمهرير.. شعوب تخاف الحب وتضطهده وتعتبره مشاغبا.. محزنا.. خطرا على النظام العام والسلوك العام. أننا نعاني من أخلاق الزحام.. وأخلاق الأزمة.. ولا نشعر بالأمان.. ونقاتل في سبيل الرزق قتال الوحوش الضارية.. ولا نقبل النجاح.. ونطارد بعضنا البعض بالنميمة والشائعات.. ونلكم أنفسنا أحيانا في الشوارع.. ولا نثق في غيرنا.. ولا نتردد في ذبح كل من تحت أيدينا حتى لو لم نكسب شيئا.. لذلك.. فنحن في حاجة لأن نحتفل بهذا العيد للحب.. في حاجة أن نتذكره.. ليس يوما واحدا في العام.. إنما كل يوم من أيام العام.. لنخرج الحقد ونزرع الحب.. لننزع الغل وننبت الرحمة.. لنطهر قلوبنا.. ونبيضها.. ونوقظها.. ونحركها.. ولا نتركها تموت بالوحشية إذا لم تمت بالسكتة.. فالكراهية لا تقتل إلا صاحبها.. فماذا ينفع الإنسان لو كسب الدنيا وخسر لحظة حب صادقة.. عن هذا ليس كلام أنبياء أو شعراء فقط.. وإنما هو كلام أطباء القلب والضغط والسكر أيضا. وفي عيد الحب.. زهرة تكفي.. مكالمة تليفونية تكفي.. رسالة على الإنترنت تكفي.. أغنية تكفي.. كلمة واحدة تكفي.. كلمة (أحبك) . قل لمن حولك: (أحبك) .. والبقية بعد ذلك ـ كما يقول نزار قباني ـ تأتي.