للشاعر السوداني الراحل التجاني يوسف بشير بيت شعر يتعلق بتفسير معنى الجمال فيقول عجز البيت: (وذهبنا بما يفسر معناك بعيدا وأنت أكثر قربا) , هذه الكلمات ترد على خاطري كلما طالعت خبرا جديدا عن الخطط الامريكية لملاحقة رؤساء افارقة سابقين يعيشون في المنفى لتقديمهم إلى العدالة الدولية بتهمة ارتكاب جرائم انسانية على نطاق واسع من تقتيل وتعذب للمعارضين, ولكن في كل مرة لا يسعني الا ان اتساءل: وماذا عن حكام افارقة على قمة السلطة الان يسري عليهم نفس الاتهام؟ قبل نحو اسبوعين القى القبض في العاصمة السنغالية داكار على حسين حبري دكتاتور تشاد سابقا بناء على بلاغ من الجمعية المحلية لحقوق الانسان وبايعاز من الولايات المتحدة, ويجري التفكير الجاد في واشنطن حول كيفية اصطياد رئيس اثيوبيا السابق منجستو هايلا مريم المقيم في زمبابوي وكل من عيدي امين وملتون أوبوتي رئيس يوغندا سابقا, الاول يقيم في السعودية والثاني في زامبيا, والسؤال المطروح هو: هل هؤلاء الحكام الافارقة هم فعلا كما تقول واشنطن, سفاكو دماء وممارسو تعذيب بالجملة, يعد ضحاياهم بالمئات أو الالوف؟ والاجابة هي: نعم, ولكن تبقى هذه نصف اجابة, فهناك سؤال لايزال قائماً: لماذا هؤلاء الحكام بالتحديد دون غيرهم من امثالهم في السابق والحاضر, وعلى الاخص في الحاضر؟ سنجد الاجابة اذا دققنا في الحالات الثلاث المعروضة, فما يجمع بين حسين حبري ومنجستو هايلا مريم وعيدي امين وملتون اوبوتي هم انهم جميعا تجاوزوا اثناء حكمهم خطوطا حمراء من المنظور الامريكي, لا المنظور الانساني باعتمادهم سياسات تعتبرها واشنطن كفرا أو شيئا قريبا من الكفر. حسين حبري في تشاد الثمانينيات قاوم النفوذ الامريكي الصاعد لصالح النفوذ الفرنسي التقليدي, ومنجستو في السبعينيات وحتى اوائل التسعينيات كان يسترشد في سياساته الداخلية والخارجية بالماركسية اللينينية في اطار تحالف مع الاتحاد السوفييتي ضد الوجود الامريكي في افريقيا, وعيدي امين هو اول رئيس في يوغندا بعد الاستقلال يمثل المسلمين هناك, ويتوجه بالتالي بالبلاد صوب العالم العربي والعالم الإسلامي, اما ملتون اوبوتي فقد اطاحت به وكالة الاستخبارات المركزية الامريكية بعد ان تلمست واشنطن في سياساته توجها صوب موسكو ايضا. نحن اذن بازاء انتقائية امريكية انحيازية وفاضحة تستهدف من تمردوا أو يتمردون على واشنطن بانتهاج سياسات استقلالية. اجل ان الرؤساء السابقين المذكورين مرتكبو جرائم انسانية بشعة حجما ونوعا, لكن ليس هذا هو السبب الامريكي الحقيقي لملاحقتهم, فلو كانوا اثناء سطوتهم السلطوية ادوات طيعة في يد واشنطن لما تعرضوا لأي ازعاج. وإلا لماذا تذهب امريكا بعيدا اذا كانت صدقا وعدلا تتبنى اجندة انسانية في ملاحقاتها لبعض الرؤساء الافارقة؟ لماذا لا تلاحق واشنطن موسيفيني يوغندا وموي كينيا وكاجامي رواند؟ يوري موسيفيني دكتاتور على رأس سلطة دموية تفتك بالقوميات غير المنحدرة من قومية التوتسي التي ينتمي اليها, ومثله بول كاجامي الذي ارتكب ـ مذابح ضد قومية (الهوتو) المنافسة ـ نادرة النظير في التاريخ الحديث, واراب موي انشأ مليشيا تابعة لحزب (كانو) الحاكم تتفرغ لاغتيال الخصوم السياسيين واعمال التعذيب والترويع. هؤلاء الثلاثة عملاء صريحون للولايات المتحدة, ولذا لن تمتد اليهم ذراع (العدالة الدولية) التي تخضع للسيطرة الامريكية.