لا أدري بالضبط كم من الدراهم انفق مراهقونا وشبابنا وعشاق بلادنا ـ اذا كان لا يزال هنالك عشاق ـ وكذلك كل المحبين عندنا, لشراء بطاقات التهنئة وباقات الورود الحمراء, ومجسمات القلوب, والبالونات وعلب الشيكولاته الفاخرة , ودعوات العشاء وغيرها من الهدايا التي يتبادلها المحتفون بعيد العشاق عادة في كل عام يمر فيه يوم الرابع عشر من فبراير, تلك الهدايا التي تعرض في كل المحلات والحوانيت لدينا وبشكل يتزايد احتفاء وظهورا عاما بعد آخر. اريد ان اعرف أولا لأن للارقام دلالة كبيرة, وثانيا لان الفضول طبع يغلب على الكاتب احيانا, وثالثا لأن الاحتفال بعيد القديس (فالنتين) عادة معروفة في المجتمعات الغربية, وخاصة لدى الشعب البريطاني الذي احتفلت ملكته (فيكتوريا) بهذا العيد في القرن التاسع عشر, ومعروف ان الانجليز شعب ينفق الملايين على شراء الورود والبطاقات للتعبير عن مشاعره, وقد ظهر ذلك جليا اثر حادث موت الاميرة ديانا. لقد نشر في بريطانيا العام الماضي ان نسبة شراء بطاقات الاعتذار في بريطانيا تتزايد بنسبة كبيرة, واعتقد بأن السبب يمكن ان يدل على امرين: فهو إما ان يكون دليلا على كثرة ما يبدر منهم من اخطاء, واما لرقة مشاعرهم وتأدبهم الزائد! وشخصيا اميل للسبب الأول!! لماذا نحتفل نحن هنا بعيد الحب او عيد (فالنتين) ولماذا تروج المدارس والفضائيات والاسواق لهذا الاحتفال حتى بين الصغار وفي رياض الاطفال؟ ربما يأتي السؤال متأخرا, ولكن ملاحظات العديد من المعلمات حول احتفائية الصغار تثير الكثير من علامات الاستفهام ولا اقول العجب او الخوف, بل ربما العكس يكون صحيحا. اظن بأننا من الشعوب المقلدة, والانسان مقلد بحكم العادة, ويجب الا ننسى بأننا ونظرا لوقوعنا مجبرين تحت حصار العولمة الثقافية وقوانين اقتصاديات السوق المفتوح, فنحن نلقف كل ما تأفكه عجلة هذه العولمة وآليات تلك الاسواق, وعجائب عيد الحب بعض من فنون موجة العولمة, والا فلماذا لم نحتفل بهذه الطريقة منذ عشر سنوات مثلا مع ان العيد موجود في العالم من ازمان بعيدة؟؟ ويجب الا ننسى حالة العدوى التي تنتقل عبر (الفيروسات) الفضائية العربية, اضافة لمشجعات مادية وكرنفالية اقتصادية, لكل هذه الاسباب, وجد (القديس فالنتين) لنفسه مكانا بيننا نحن الذين لا علاقة لنا به من قريب او بعيد, واصبحت ذكراه مخلدة بين مراهقينا دون ان يعرفوا عنه شيئا, وربما صاروا يعرفون بحكم ما صار يكتب عن هذا العيد في وسائل اعلامنا المقروءة. واعتقاد خاص احتفظ به لنفسي وأجده يفسر هذا الاحتفال هو ان الامر ابعد من كونه احتفالا بذكرى اسطورة, فالكل يريد ان يعيش شعورا بالحب, وبأية تكلفة او طريقة, حتى لو اضطر لشرائه بأغلى الاثمان, فما بالنا اذا كان الثمن لا يعدو بطاقة تهنئة او باقة ورد حمراء, او عشاء فاخرا في احد المطاعم؟ ان التاريخ مليء بالحكايات والخفايا والاساطير, والانسان بشكل عام وحيثما كان يحتاج الى ان يوقظ مشاعره ـ ولو لمرة واحدة في العام ـ يمارس فيها شيئا منسيا اسمه الحب, وباحتفائية جماعية, ولكن عمالقة المال واساطين الاسواق, سباقون لاستثمار كل شيء بدءا بالعواطف وانتهاء بالكوارث, طالما ان مليارات الدولارات سوف تدفع لقاء لحظة فرح او شعور غامر بالحب وهذا ما يفسر مبيعات البطاقات والزهور في كل مكان في العالم وبملايين الدولارات. وهذا ما يفسر ازدحام المحلات وخاصة محلات الهدايا والورود و بشكل يفوق اي يوم في العام. ولأول مرة نقول: افراح قوم عند قوم فوائد بدل القول المعروف!