(الهايدر) أو (الهيدرا) بغض النظر عن طريقة كتابتها في اللغات الأوروبية المختلفة, فإن معناها طبقا لقاموس اللغة الاسبانية المعروف باسم (لاروس) يشير إلى أن هذه الكلمة تعني: (حية سامة قاتلة ومرعبة تقطن في مناطق المياه الراكدة) , ويضيف القاموس إلى هذا التعريف توضيحا آخر ينتمي إلى الميثولوجيا اليونانية القديمة حيث يقول في تفسير أسطوري أن (الهايدر) أو (الهيدرا) عبارة عن حية مائية خرافية بسبعة رؤوس, كانت تقطن بالقرب من إحدى الجزر الإغريقية, تقذف من فمها نيرانا قاتلة, وأن هرقل ذهب لمقاتلتها والقضاء عليها, لكنه كما تقول الأسطورة, كلما قطع رأسا من رؤوسها السبعة نبت مكانه رأسان, وهذا استدعى أن يطلب مساعدة ابن شقيقه (يولاو ) , الذي كان يحرق الرؤوس التي يقطعها عمه البطل الأسطوري هرقل حتى لا تنبت من جديد, وبفضل هذه المساعدة أمكن لهرقل أن يتخلص من تلك الحية. هذا كان في الزمن الأوروبي الأسطوري القديم, لكن يبدو أن هرقل قضى على (الهايدر) في الأسطورة فقط, وإلا ما كان لنا أن نرى (الحية ذات الرؤوس السبعة) أو (الهيدرا) في زماننا المعاصر, الذي تكرر في تاريخ أوروبا, وعاد ليتجسد اليوم في شخصية الزعيم السياسي النمساوي اليميني المتطرف (يورج هايدر) , الذي يبدو كما لو أفزع وأثار أوروبا بتطرفه المعلن, وبشكل خاص إسرائيل, التي قررت الاستفادة من ظهوره ورأت فيه عودة إلى الفكر النازي, وطالبت (العالم الديمقراطي) باتخاذ الإجراءات الكفيلة بمنعه من المشاركة في الحكومة النمساوية مع الحزب الشعبي اليميني النزعة, ووقف زحف حزبه ومنعه من الوصول إلى حكم النمسا, وحتى لا تعود أوروبا إلى زمن شهدت فيه أفظع حرب في القرن العشرين. اللافت للنظر أن الحزب الشعبي اليميني الحاكم في اسبانيا بقيادة رئيس الوزراء الحالي (خوسيه ماريا أزنار) كان وراء مطالبة الكتلة اليمينية في البرلمان الأوروبي للضغط على الحزب الشعبي النمساوي للتراجع عن التحالف مع (هايدر) , وهدد بأنه إذا لم يتراجع عن ذلك عليه أن يغادر الكتلة اليمينية في البرلمان الأوروبي, وإن لم يفعل فعلى تلك الكتلة أن تلقي به إلى خارجها, لأنه طبقا لما أعلن الحزب الشعبي اليميني يتعامل مع متطرف غير ديمقراطي ويهدد أوروبا بحرب (عرقية) بسبب مواقفه من الأقليات التي تعيش في النمسا وأوروبا وبشكل خاص موقفه من المهاجرين باعتباره موقفا عنصري النزعة لا يجب أن يقع فيه حزب (ديمقراطي أوروبي) . قبل أن تجتمع الكتلة اليمينية في البرلمان الأوروبي, مدفوعة بمطالب اليهود وإسرائيل والحزب الشعبي الاسباني, لتقرير فصل وإبعاد الحزب اليميني النمساوي من عضويته في البرلمان الأوروبي, تبين أن حية الهايدر لم تكن نمساوية فحسب, بل كانت أسطورية على نسق حية هرقل اليونانية ذات الرؤوس السبعة, بل تبين ما هو أبعد من ذلك, وهو أن الذين تحمسوا لطرد (هايدر) من السياسة الأوروبية ليسوا أقل تطرفا منه, وأن صرخاتهم في الفضاء الأوروبي كان من ورائها دوافع أخرى تحاول أن تخفي حقيقة الأيدلوجية التي يعتنقها اليمين الأوروبي المعاصر متطرفا كان أم معتدلا, وهي كراهية (الآخر) , و (الآخر) في هذا الزمان هو العالم المتخلف الجائع الذي لم يجد ما يأكله بعد أن نهب (العالم الديمقراطي) ثرواته, فقرر أفراده الزحف على (سارقيه) ليس للانتقام ولكن بحثا عن لقمة تسد رمقه في حلم مستحيل بالتعايش معا. قبل أن يناقش التكتل اليميني في البرلمان الأوروبي مسألة تحالف اليمين النمساوي (المعتدل) مع (اليمين المتطرف) , انفجرت إحدى القرى الاسبانية لتؤكد أن فكر وآراء (هايدر) لا يسكن النمسا وحدها, بل يسكن قلوب كل اليمين الأوروبي من معتدلين ومتطرفين, فقد انتفض سكان قرية (الايخيدو) الاسبانية بقيادة عمدتها, الذي ينتمي إلى الحزب الشعبي اليميني الاسباني, وهو حزب رئيس الوزراء خوسيه ماريا أزنار الذي يطالب بعزل اليميني النمساوي المتطرف, ضد المهاجرين المغاربة الذين يعملون في القرية كأيد عاملة أجيرة رخيصة, وجرت مطاردتهم حتى (عششهم) التي يسكنونها منذ سنوات طويلة, وقاموا بإحراق القليل الذي يملكه المهاجرون المغاربة في تلك القرية, بل امتد الاعتداء إلى المساجد الصغيرة التي يقيمون فيها صلواتهم, وتم إحراقها. أما البوليس المحلي والوطني الذي يخضع بشكل مباشر إلى أوامر عمدة القرية اليميني, أو الذي يخضع لأوامر وزير الداخلية اليميني أيضا, لم يتدخل لحماية العمال المغاربة من غضب سكان القرية, وحتى التليفزيون الحكومي ووسائل الإعلام التابعة للحكومة لم تحاول تغطية الأحداث وإبداء الرأي فيها, بل حاولت التعتيم عليها وتركت هذه المهمة لوسائل إعلام مستقلة ودولية لتغطيتها, وعلى الرغم من خطورة الأحداث التي شاهدتها والعالم عبر شاشات التلفزيون التي لا تقل رعبا عن مشاهد حروب (التطهير العرقي) في كوسوفو, التي اتخذ منها حلف الأطلسي ذريعة للتدخل في يوغسلافيا, فقد وجدنا أن وزير الخارجية لا يعير الأمر اهتماما, لأن في رأيه من طاردهم سكان القرية في تلك (الواقعة) من المهاجرين غير الشرعيين, والمهاجرون غير الشرعيين في عرف وزير الخارجية الاسباني اليميني أبيل ماتوتيس لا وجود لهم, لأنهم لا يوجدون كمواطنين على الورق, أي لا حقوق لهم ولا حتى حق حماية أرواحهم. لم تكشف تلك الأحداث التي وقعت في القرية المتوسطية الاسبانية فقط عن تجذر الفكر المتطرف والعنصري في نفوس الكثير من سكان أوروبا, وأسبانيا جزء منها, بل كشفت أيضا عن ذلك الفكر المتجذر في نفوس قادة اليمين السياسي الأوروبي, الذي يرفع شعار الديمقراطية ويرغب في تص ديرها وفرضها عنوة على الغير. بل كشفت أيضا عن الموقف الأوروبي تجاه الآخر بشكل عام, ومن يعود إلى تاريخ منطقة (المرية) بالمناسبة لا تزال تحمل اسمها العربي الذي ورثته عن الحقبة الأندلسية من الحضارة العربية الإسلامية الزاهرة التي امتدت لثمانية قرون هناك يمكنه أن يعرف أن مواقف الأوروبيين تجاه الآخر نابعة من موقف عنصري تحجبه الحاجة, فقد كانت تلك المنطقة ومنها قرية (الايخيدو) التي شهدت تلك الأحداث عبارة عن صحراء قاحلة لا حياة فيها, وقبل عقود قليلة لم يكن عدد سكانها يزيد على بضعة آلاف أكثرهم من الرعاة الفقراء, بل هاجر معظمهم إلى أوروبا وأمريكا اللاتينية بحثا عن مورد للرزق. لكن مع اكتشاف (البلاستيك) وإمكانية استخدامه في الزراعية الرأسية القائمة على استغلال الحرارة لتوليد طاقة تساعد على الإنتاج الزراعي طوال العام, تحولت تلك المنطقة القاحلة إلى مزرعة أوروبا, وبدأ إنتاجها يغزو الأسواق الأوروبية الشمالية الباردة بإنتاج الخضروات الطازجة كالطماطم والخس واللوبيا والبطاطس, التي تحتاج إلى حرارة معينة لا تتوفر في شمال أوروبا. هذا التحول في أدوات الإنتاج تطلب أيد عاملة لم تكن متوفرة في تلك المنطقة القاحلة التي كانت منطقة طاردة للسكان أكثر منها منطقة جاذبة, لذلك تزايد عدد سكانها من الفلاحين الاسبان الذين انتقلوا من المناطق الأخرى الفقيرة. لكن فقراء اسبانيا تحولوا مع مرور الوقت وباستغلال هذه الصناعة الزراعية الجديدة إلى أثرياء, ومع زيادة جري الأموال في أيديهم بدأوا في التحول من إجراء إلى ملاك, ومن كان يعمل منهم في المزارع المغطاة بالبلاستيك امتلك مزرعة أو أكثر, فأصبحت الحاجة ملحة إلى أيدي عاملة أجنبية ورخيصة يمكنها أن تقوم بالعمل الشاق والخطر في تلك المزارع, لأن من يعمل بها يخاطر بتعرضه لآثار الكيماويات التي تغذي نباتات تلك المزارع. تحت إغراء الرفاهية وضغط الحاجة بدأت تتوافد على المنطقة الموجات الأولى من المهاجرين المغاربة للعمل في مزارع البلاستيك المنتشرة في منطقة (المرية) , ومع مرور الوقت بدأ هؤلاء المغاربة يتقاسمون العمل مع جنسيات أخرى من أمريكا اللاتينية وأفريقيا, لكن ظل العمال المغاربة يشكلون الأغلبية الساحقة في تلك المنطقة نظرا لقربها من وطنهم الأصلي, وبدأت تتحول الحياة في تلك المنطقة إلى نوع من التبادل المنفعي القائم على العرض والطلب تطبيقا لقانون الاقتصاد المبدئي البسيط. مع مرور الوقت ازداد أثرياء المكان ثراء, ولكن هذا لم يقابله تحسن في أحوال العاملين المهاجرين, بل على العكس تماما, تطبيقا لقانون العرض والطلب, لأن عدد المهاجرين الباحثين عن العمل ازداد بشكل كبير وفاق العدد المطلوب للعمل في تلك المزارع البلاستيكية, من هنا بدأ جشع أثرياء المكان في زيادة ثرائهم على حساب المهاجرين, فبدأوا في فرض شروطهم على العمال المهاجرين, وهي شروط كانت تصب بالضرورة في جيوب أصحاب المزارع, لأن زيادة عدد العمال أدى إلى خفض الأجور, وهذا أدى بالتالي إلى تناقص القدرة الشرائية لدى العمال المهاجرين, وقلت قدرتهم على مواجهة متطلبات الحياة المتزايدة, فقنعوا بالسكن في مساكن أقل ما يقال أنها غير آدمية, وبالتالي اتسعت الفجوة بين صاحب العمل والعامل الذي كان يشعر بالغبن, ولكن وضعه كغريب عن المكان جعله يكتم غيظه لأنه في النهاية لا يحمل (تذكرة المواطنة) , وبالتالي فهو من درجة أدنى من المواطن الاسباني الأوروبي, الذي يمتص قوته في العمل مقابل لا شيء. بدلا من أن تبذل السلطات المحلية جهودا من أجل تحسين أوضاع المهاجرين المغاربة, ومحاولة دمجهم في المجتمع الذي يعملون, فيه كانت تغذي رفض المجتمع المحلي لهؤلاء المهاجرين من خلال معاملتهم على انهم غرباء بلا أي حقوق, وذلك من خلال ممارسة نوع من المطاردة غير المعل نة, ودعم المواطن الاسباني ضد العامل المغربي المهاجر في حالة وجود أي خلاف, حتى لو كان الحق في جانب العامل المغربي المهاجر, إضافة إلى عدم سماع شكاوى العمال المغاربة المهاجرين لمجرد أن بعضهم يفتقد إلى الأوراق الشرعية التي تمنحه وجودا في مواجهة الإدارة. يضاف إلى هذه الأوضاع سقوط الاتحاد السوفييتي السابق وانفراط عقد الحكومات الاشتراكية في أوروبا الشرقية ليدفع بمزيد من الأيدي العاملة الرخيصة من أوروبا الشرقية إلى أوروبا الغربية, وبدأ المواطنون الاسبان يفضلون القادمين من تلك البلاد لعدة أسباب, لعل أولها, ولا بد من التأكيد على ذلك, أنهم أوروبيون ومن ذوي البشرة البيضاء, وهذا كان سببا في تفضيلهم في العمل عن العمال المغاربة, الذين ينتسبون إلى الموريسكيين بكل ما يعني هذا الانتساب من تراكمات تاريخية, إضافة إلى أن لون بشرة المغاربة الأسمر يثير في نفوس الاسبان حس العنصرية الخبيء غير المعلن, والذي حاولت القوى السياسية اليمينية أن توظفه ضد (هايدر) , دون أن تلتفت إلى أن تلك العنصرية التي تتهم بها المتطرف النمساوي تسكن قلوبهم وقلوب من يعتنقون فكرهم. كل هذه التراكمات أدت إلى ضغوط نفسية في جانب كل طرف, لذلك كان الانفجار متوقعا في أي لحظة وينتظر فقط من يحركه, تماما كبرميل البارود الذي ينتظر عود ثقاب يقترب منه ليفجره, وجاء عود الثقاب في شكل حادث فردي يقع مثله يوميا في جميع أنحاء اسبانيا وأوروبا, مع فارق واحد وهو أن الجاني مغربي والضحية اسبانية, فقد حدث أن ارتكب شاب مغربي مختل عقليا جريمة قتل فتاة اسبانية, وبدلا من القبض عليه ومحاكمته كمجرم على الرغم من اختلاله العقلي, أعلن سكان قرية (الايخيدو) الحرب ضد كل العمال المهاجرين الذين يقدر عددهم في المنطقة بما يزيد على الخمسين ألفا. في اليوم نفسه الذي وقعت فيه الجريمة وقعت جرائم أخرى أكثر فظاعة في أنحاء متفرقة من اسبانيا, وبعضها وقع في أماكن لا تبعد كثيرا من مكان تلك الجريمة, على سبيل المثال في اليوم نفسه قام مواطن اسباني بقتل أربعة من الأبرياء في مدينة فالنسيا القريبة ليعلن انتقامه من المجتمع بسبب قصة حب فاشلة, ويومها أيضا قام شاب اسباني مجند بمحاولة اغتصاب فتاة اسبانية, وأثناء مقاومتها له فقأ عينيها بيديه, إضافة إلى جرائم أخرى عددتها الصحافة المستقلة, ومع ذلك لم يتظاهر أحد لمطاردة المجرم وأهله في الشوارع كما حدث مع العمال المغاربة في قرية الايخيدو, ولم يقف مسئولو الأمن موقف المتفرج الذي وقفه عمدة الايخيدو وبوليسه المحلي وبوليسه الوطني. مواقف اليمين المتطرف المعلنة في النمسا لا تختلف في شيء عن ما حدث في قرية الايخيدو في اسبانيا, وهي مواقف جاءت تالية لمواقف معلنة ومكررة سابقا في ألمانيا ضد العمال الأتراك, وفي بريطانيا ضد الأفارقة والهنود والباكستانيين, أو في فرنسا ضد الجزائريين والمغاربة, كلها مواقف تنطلق من منبع واحد هو العنصرية ضد الآخر, والمسئولية عنها لا تقع على عاتق العامة بقدر ما تقع على الطبقة السياسية التي تغذي هذه العنصرية بحثا عن حفنة أصوات تمكنها من القفز على السلطة, مما يؤكد أن حية الهايدر لها أكثر من رؤوس سبعة. لكن لا بد من الإشارة أيضا إلى مسئولية حكومات الدول التي ينتمي إليها المهاجرون, هم مسئولون بالقدر نفسه, لأنهم لم يكلفوا أنفسهم بتنظيم تلك الهجرة من خلال اتفاقيات ثنائية تحمي حقوق مواطنيهم, إضافة إلى عدم بذلهم الجهد الكافي لتوعية هؤلاء المهاجرين بالمجتمع الذي ينتقلون إليه, وكيفية التعامل معه, إضافة إلى أن معظم المهاجرين من الأميين الذين تم شحنهم بجرعات من التطرف ضد المجتمع الذين يذهبون إليه بحثا عن لقمة العيش, فهو في رأي معظمهم (مجتمع كافر ماله وعرضه حلال) , فإذا كانوا قد وقعوا ضحية سهلة لجماعات التطرف في بلادهم, هذا يجعلهم يسقطون بسهولة في شباك تطرف المجتمعات التي تستقبلهم بالرفض.