رغم الانقسام السياسي الذي بدا واضحا في الشارع الاسرائيلي اثر الاعلان عن بدء المفاوضات الاسرائيلية ـ السورية, ورغم التصريحات والاحتجاجات التي أبداها المستوطنون في الجولان, المدعومة من أحزاب اليمين الديني والقومي, إلا ان العملية التفاوضية على هذا المسار ستشهد خطوات سريعة محققة على الأرض خاصة وأنها عادت من النقطة التي توقفت عندها في العام 1996, بعيدا عن المكان الذي ستعقد به الجولات الماراثونية بين الأطراف لجهة بقائها في واشنطن أو نقلها إلى مكان آخر. وما يميز عودة المفاوضات على المسار السوري الاسرائيلي هو التحضير الجيد من خلال المناقشة الجادة لمجمل القضايا الجوهرية التي أخذت حيزا من الوقت, عبر الوساطة الأمريكية, التي حضرت الأرضية الخصبة لاحياء هذا المسار والذي أزال الكثير من اللبس والغموض في جوانب كثيرة متعلقة بالموقف الاسرائيلي من قضية عودة الجولان إلى الوطن الأم. وعلى ما يبدو ومن خلال التصريحات والايحاءات التي صدرت بشكل رسمي وغير رسمي من جانب الأطراف المتفاوضة والشريك الأمريكي, ان الفترة الزمنية لن تطول كثيرا, مع العلم أنها ستواجه قضايا معقدة جدا وملفات صعبة ووعرة خاصة وان الجدال يتعلق بهضبة الجولان وأهميتها الاستراتيجية بالنسبة إلى الطرفين السوري والاسرائيلي فسوريا وعلى لسان مسئوليها تعتبر الموضوع محسوما حيث ان الهضبة أرض سورية بغض النظر عن أية ادعاءات اسرائيلية بشأن الاعتبارات الأمنية. والأهم بالأمر ان شيئا ما يؤكد عودة الورقة السورية أوجزءًا كبيرا من محتوياتها والتي قدمت سنة 1992 إلى طاولة المفاوضات والتي تتضمن ان يقبل الطرفان تدابير أمنية بصورة (متوازنة ومتقابلة) بما في ذلك امكان انشاء مناطق منزوعة السلاح أو مخفضة من كلا الجانبين وعلى (قدم المساواة) بما يتضمن ذلك الحصول على ضمانات أمنية من مجلس الأمن الدولي, أو من بعض الدول وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وروسيا, وأنها بدأت ترى النور مرة ثانية, خاصة بعد ان نفى صراحة المنسق الأمريكي للسلام في الشرق الأوسط دينيس روس ان (تكون واشنطن قد قدمت ضمانات أمنية لاسرائيل مقابل عودتها للمفاوضات). وهذا ما أكده باراك في ورقته السياسية التي قدمها لأعضاء حكومته عن آخر التطورات على المسار السوري ان المفاوضات المقررة ستستأنف, لكن لن تبدأ من نقطة الصفر ولن تتجاهل الاتصالات التي جرت بين الطرفين منذ مؤتمر مدريد وحتى الآن. وأضاف ان استئناف المفاوضات مع سوريا ستعقبها المفاوضات مع اللبنانيين, وبذلك تصبح اسرائيل في حالة تفاوض مع جميع المسارات, ولم يتجاهل باراك ان هذه الخطوة تعتبر لحظة تاريخية, وعلى اسرائيل ان تدفع ثمنها خدمة للأجيال المقبلة التي لن تستجلب لسفك الدماء, ولعل خطاب باراك في الكنيست الاسرائيلي ودعوته للمستوطنين القاطنين في الجولان بتوضيب أنفسهم إلى العودة داخل فلسطين المحتلة عام 1948, تؤكد جملة من الحقائق التي كانت اسرائيل تتجاهلها وهي والأرض, والأمن, وطبيعة السلام المنشود بين الطرفين, فبالنسبة إلى الأرض, ثمة اعتراف اسرائيلي ضمني يقر بالانسحاب إلى خطوط الرابع من يونيو 1967, طبقا للشرط السوري الأساسي المتفق مع قرار مجلس الأمن الدولي 242, خاصة وانه ضمن خطابه متراجحة صعبة للغاية, إما الانسحاب وإما عودة المنطقة إلى دوامة الحروب ونزيف الدم الذي ستدفعه كل الأطراف المتحاربة دون استثناء, وان اسرائيل غير مستعدة لدفع هذه الضريبة مرة أخرى, ومن الواضح ان المفاوضات الاسرائيلية ـ السورية ستتناول جملة من الملفات التي كانت تشكل عثرة فيما مضى للتوصل إلى احلال السلام. ومن هذه الملفات التي بقيت عالقة بين الطرفين في مفاوضات العام 1994 والذي قادها عن الطرف الاسرائيلي باراك بصفته رئيسا لهيئة الاركان, مع نظيره السوري العماد أول حكمت الشهابي في شأن الاجراءات الأمنية التي قد ترافق انسحابا تدريجيا من الجولان, لكن هذا الاجتماع قد فشل إلى ان مهد له لقاء الشهابي مع رئيس الاركان السابق أمنون شاحاك والتوصل إلى الاتفاق على مبادئ وأهداف ترتيبات الأمن. لكن سوريا في ذلك الوقت عارضت وبشدة السماح لبناء محطة الانذار المبكر الأرضية على الهضبة وابقاء القوات الاسرائيلية على جبل الشيخ الذي يطل على الجولان, لأن ذلك يمس بالسيادة السورية وينقص الانسحاب الكامل, وعلى ما يبدو ان هذا الملف سيبقى ساخنا طيلة فترة المفاوضات بين الجانبين, وستبقى هذه القضية قضية خلافية, إلا في حال موافقة سوريا على ان تسلم محطات الانذار المبكر إلى هيئة مدنية متخصصة من قبل الأمم المتحدة, أو من جانب الولايات المتحدة, ويقابلها اقامة محطات انذار مبكر في اسرائيل تخضع هي الأخرى لنفس الصيغة التي وردت بالنسبة إلى محطة جبل الشيخ, بالاضافة إلى اقامة مناطق منزوعة السلاح في الجبهة الاسرائيلية من الحدود عملا بمبادئ التعامل المثل بالمثل, وإذا ما تعذر ذلك بسبب التعنت الاسرائيلي فلن يكون أصلا بامكانية حل لهذه القضية الأمنية, وما يجري حول قضية الحدود بين الطرفين والاجتهادات التي تطلقها بين الفينة والأخرى العديد من وسائل الاعلام, عن العودة إلى الحدود الدولية التي رسمتها فرنسا وبريطانيا عام 1923 لا يوجد لها آليات للتحقق على الاطلاق بالنسبة لسوريا وانها ترى في قيام سلام متوازن ضرورة العودة إلى حدود الرابع من يونيو 1967, وإذا ما تمترست اسرائيل حول هذه القضية فإنها بذلك ستخسر كل الايرادات المائية التي ترفد بحيرة طبريا من الجولان, وإسرائيل كما نعلم انها أحوج ما تكون لحل المشكلة المائية لأنها تعاني من عجز مزمن بالمياه, ولا يمكنها أخذ ضمانات من دمشق في حال عدم انسحابها من كل الأراضي التي احتلتها بعد الرابع من يونيو, وهذه القضية بحد ذاتها ستعيد الصراعات إلى سابق عهدها. ومن نافلة القول ان سوريا لا تجد في طلب اسرائيل فتح الحدود وإقامة علاقات دبلوماسية واقتصادية لا يوجد لها ضرورة ملحة لتطبيقها لأن هذه القضايا مجتمعة تخرج عن نطاق المتطلبات الموضوعية للسلام, ويترتبط انجازها بتحقيق السلام الشامل على كافة الجبهات العربية, وذلك بانهاء الاحتلال الإسرائيلي للأراضي العربية, كما جاء في تصريح سابق للرئيس حافظ الأسد قال فيه ان (استعداد سوريا للالتزام بمتطلبات السلام الموضوعية باقامة علاقات سلام عادية مع اسرائيل مقابل انسحاب اسرائيل التام من الجولان إلى خط الرابع من يونيو 1967 ومن جنوب لبنان). لكن الأهم في الأمر ان ادارة الرئيس بيل كلينتون قد أظهرت في البداية ارتياحها للخطوة السورية الجديدة التي قوبلت بترحيب دولي واسع فإن سوريا بدورها أعربت عن ارتياحها لهذا القرار انطلاقا من حرصها على انجاح العملية السلمية في المنطقة, وأنها جادة في السير بالمفاوضات إلى ان تصل لنهايات مرضية, بالوصول إلى السلام الشامل في المنطقة, وانها ترى في احلال السلام من خلال جدية الموقف الأمريكي وخوض غمار العملية السلمية كطرف فاعل وان الانسحاب من الجولان بات حقيقة واقعة. ولكن التصريحات الأمريكية المنحازة لاسرائيل والتي أطلقها يوم أول أمس الخميس جيمس روبين تشكل علامة استفهام كبيرة حول مدى حياد الموقف الأمريكي خلال محادثات السلام.