تحولت الانظار عن مسيرة السلام وعن الجمود الذي طرأ عليها وذلك عندما اغارت الطائرات الاسرائيلية في الاسبوع الماضي على مواقع مدنية لبنانية ومواقع لحزب الله ففجأة تطورت حالة اللاحرب واللاسلم التي تطغى على العلاقات السورية الاسرائيلية الى مواجهة موسعة في لبنان وقد بدأت المواجهات الجديدة بفعل عمليات لحزب الله ادت الى مقتل ستة اسرائيليين وقد جاءت ردود الفعل الاسرائيلية لتعبر عن (غرور) السياسة الاسرائيلية في جنوب لبنان ولكنها عبرت ايضا عن الرسالة الاسرائيلية الى كل من سوريا ولبنان والتي تسعى لتأكيد مبدأ الرد المبالغ به على امل ان تتوقف عمليات حزب الله. وتشير مسيرة الاحداث التي تتحكم بلبنان وجنوبه الى انه بغياب المفاوضات وبغياب عمليات مقنعة للسلام سوف تتطور المواجهات وتتوسع بمعنى اخر اصبح الصراع حول لبنان مدخلا لارسال رسائل مختلفة من قبل جميع الاطراف فاسرائيل تسعى لحماية احتلالها بهدف تحسين شروطها للانسحاب ثم محاولة الخروج بمكاسب في المفاوضات مع سوريا حول الجولان, اما سوريا والمقاومة اللبنانية فتسعيان لتحويل الوضع المتفجر في الجنوب الى عنصر ضغط على اسرائيل لاعادتها الى طاولة المفاوضات في اطار الاستعداد للانسحاب من الجولان ومن الجنوب بشروط تعكس شمولية الانسحاب, بل يمكن القول بأن المواجهات الاخيرة كانت مفاوضات من نوع اخر, ولكنها كانت بنفس الوقت دعوة لاستعادة الدور الامريكي كوسيط في مسار المفاوضات, لكن ذلك لايشكل ضمانا للمفاوضات فامكانية ان يشهد لبنان مواجهات جديدة تبقى امكانية جدية, وامكانية ان يسعى رئيس الوزراء الاسرائيلي لمزيد من التشدد في لبنان تبقى مسألة ممكنة ومرتبطة بآفاق المفاوضات في اطار الفشل والنجاح. ويعمل لمصلحة لبنان في هذه المواجهات ان الضغط على الحكومة الاسرائيلية اصبح هو الاخر داخليا, فالدعوات الاسرائيلية في صفوف القادة والسياسيين والجنود للانسحاب بدون اتفاق سلام تتزايد, وهي بطبيعة الحال مرتبطة بنسبة الخسائر في لبنان والافاق المسدودة للوضع هناك بل نجد الان ان نصف مجلس الوزراء الاسرائيلي مع انسحاب بدون اتفاق ان هذا الضغط على الحكومة الاسرائيلية قد يعني الاضطرار للتوصل الى اتفاق مع سوريا وذلك لان الانسحاب المتفاهم عليه سيبقى افضل لاسرائيل من الانسحاب الاحادي الجانب وغير مضمون النتائج. ان التاريخ الحديث لجنوب لبنان مليىء بالاحداث المؤلمة وبعشرات الآلاف من القتلى والجرحى, بل يشكل الجنوب ومركزه (جبل عامل) عاصمة روحية ونفسية وتاريخية للجنوبيين اللبنانيين وقد دمرت اسرائيل الجنوب مرات ومرات وعلى مراحل مختلفة على مدى عقود تمتد منذ العام 1969 اي منذ مجيىء المقاومة الفلسطينية الى الجنوب وتبني ابناء الجنوب لقضيتها. بل يمكن القول بلا مبالغة بأنه لم يتعرض مجتمع عربي للعنف والتدمير كما تعرض المجتمع اللبناني في الجنوب بشكل خاص, فعدد القذائف التي سقطت هناك تساوي عدة حروب واكثر من افغانستان, يكفي ان نستعرض بعض حملات الطيران التي محت قرى بكاملها, ويكفي ان نستعرض ما حصل عام 1978 وعام 1982 لنعرف ان مأساة الجنوب لم تعرف عربيا او عالميا. ان حالة الجمود في عملية السلام هي التي تساهم, كما شاهدنا في الايام القليلة الماضية, بمزيد من القتلى والدمار, بل يشكل استمرار هذا العنف اضعافا للدور الامريكي وتشكيكا في مصداقيته الاقليمية, ولكن قد تكون الاحداث الاخيرة في الوقت نفسه بداية لاحياء التسوية ان ايقاف العنف لن يكون عملا سهلا, وهو سيتطلب الكثير من الجهود من قبل جميع الاطراف الباحثة عن مخرج انساني وسلمي عادل.