مع استمرار رنين الاستقالة المدوية التي تقدم بها هانز فون سبونيك منسق الامم المتحدة للشئون الانسانية في العراق جاءت استقالة احتجاجية اخرى من السيدة جوتا بورجهارت ممثلة (برنامج الغذاء العالمي) في العراق ايضا. وقبلهما استقال دينيس هاليداي المنسق الدولي الذي خلفه سبونيك والسبب في الاستقالات الثلاث مشترك: انتقاد لاذع للعقوبات المفروضة على العراق واحتجاج صارخ على استمرارها. هذه الاستقالات التاريخية تأتي من ألمانيين اثنين وايرلندي. وثلاثتهم ليسوا عربا وليسوا مسلمين. ولو كانوا هذا او ذاك لجاز الارتياب في انتمائهم العاطفي بحكم العرق او الملة. فأين تتجه الامور بعد ذلك في شأن المصير العراقي؟ لقد هزت هذه الاستقالات الدولية المجلجلة ثلاث جبهات: الولايات المتحدة (ومعها بريطانيا) .. والامانة العامة للامم المتحدة ومجموعة الدول العربية. هذا يظهر صراحة أو ضمنا بعد قراءة ثانية في تفاصيل الاستقالات. فالشخصيات المستقيلة الثلاث شكت من ضغوط امريكية على كل منها لحملها على إلباس الباطل ثوب الحق والحق ثوب الباطل فيما يتعلق بالآثار التدميرية القاتلة للعقوبات على قطاعات الشعب العراقي. وشكت من ناحية اخرى من لعبة (النفط مقابل الغذاء) على الصعيد التطبيقي كستار دخاني لتبرير استمرار العقوبات الجائرة. ومن هذا الوجه فان الحرج يصيب الامانة العامة للامم المتحدة وعلى رأسها كوفي عنان الامين العام. وفضح المسلك الامريكي الشرير ومجاراة المنطمة الدولية له يمتد حرجه ليشمل الدول العربية التي بدورها لا تزال تجاري الولايات المتحدة في التمسك بأسطورة مكشوفة يطلق عليها (الشرعية الدولية) لقد ابتدر مسلسل الاستقالات الايرلندي دينيس هاليداي العام الماضي حين اعلن وهو بسبيل ترك منصبه كمنسق الامم المتحدة للشئون الانسانية في العراق ان ضميره يعذبه وهو يرى المشهد العراقي بصورة يوميه حيث يتعرض شعب بأكمله للموت البطيء من الجوع والمرض. اما خلفه الالماني سبونيك فقد دب خلاف بينه وبين الولايات المتحدة وبريطانيا بسبب انتقاداته الموضوعية للعقوبات وآثارها. وحذت حذوهما الالمانية بورجهارت. ومما قاله سبونيك, وهو دبلوماسي دولي مخضرم, ان برنامج (النفط مقابل الغذاد) الذي يشرف على تنفيذه لا يلبي اي حد ادنى للمتطلبات المعيشية لاثنين وعشرين مليون عراقي. ان البرنامج خدعة كبرى. فأكثر من نصف العائدات المالية لصادرات النفط العراقي المسموح بها تذهب الى تعويضات خارجية من ناحية والى رواتب ونفقات جيش خبراء الامم المتحدة المرابط داخل العراق. اما بالنسبة الى النصف الثاني فإن الولايات المتحدة وبريطانيا تتفننان في ابتداع اساليب تأخير وتعويق عقود الاستيراد العراقية. وحتى الآن جمدت واشنطن اكثر من الف عقد بينما جمدت لندن نحو 120 عقدا. واذا كان هؤلاء الدبلوماسيون الدوليون الثلاثة قد فجروا الموقف باستقالاتهم المتتالية وكشفوا الغطاء عن الفضيحة فماذا عسى ان تفعل الاطراف المعنية؟ ان المنطق النظري يقول بأن على كوفي عنان, وقد استقال ثلاثة من اكبر مساعديه, ان يستقيل هو ايضا بدوره او على الاقل يأمر باجراء تحقيق في اسطورة (النفط مقابل الغذاء) ... وإلا اعتبر متواطئا مع واشنطن. اقول انه (منطق نظري) لان هناك على الصعيد العملي سؤالا اكثر الحاحا: كيف يفكر عنان في الاستقالة اذا ظل العرب على موقفهم السالب تجاه العراق؟ ان مسألة الشرعية الدولية التي ترددها حكومات عربية وكأنها فصل الخطاب فقدت باستقالة الشخصيات الدولية الثلاث ذات الصلة المباشرة بالمشهد العراقي المأساوي اخر ورقة توت.