مع مغادرة القرن العشرين بكل ايجابياته وسلبياته علينا ألا ننسى ان حجم ونوع التحديات التي يحملها لنا المستقبل في القرن الحادي والعشرين صعبة جدا ولعل من اهم ما تنشغل به الاعين والقلوب والجوارح قضايا التربية . فالجميع يعلم اننا لانعيش ازمة جوع او عطش ولا ازمات اخرى مشابهة وان ازمتنا الحقيقية هي التربية والتعليم , فهي سبيلنا الى اللحاق بحركة عالم تتفجر معارفه وتتسارع وتيرة التقدم المذهل لمنجزاته التقنية, وتتسع يوما بعد يوم الفجوة الرهيبة بين مجتمعاتنا وبين عالم الدول المتقدمة المسيطرة على المواقع التقنية في دولتنا. ولم يأت هذا التقدم من فراغ بل جاء نتيجة لما تمتلك تلك الدول من موارد وبنى تحتية ونظم سياسية واجتماعية مستقرة هي ثمرة ما توصلت اليه من معرفة وتقنيات كانت حصاد نظم تربوية مخططة ومؤسسات بحث علمي نجحت في مساعدة اجيالها على اكتساب المعرفة والقدرة التكنولوجية والارادة المصممة التي حققت هذا التقدم وحافظت عليه. وتستهدف هذه الدراسة التعريف بأبرز التحديات التي تواجه حركة التربية والتعليم في مجتمع دولة الامارات, بما يضيء الطريق للعمل التربوي الاماراتي في ظل تغييرات الهيكل الوظيفي لوزارة التربية والتعليم والشباب التي تتطلع نحو التجديد وتطوير الاولويات التي ينبغي ان تقود هذا المسعى, والسبل التي يمكن ان تحقق التغير المنشود لاعداد أبنائنا لمواجهة القرن الحادي والعشرين الذي نعيش فيه وننتمي اليه وتؤذن بوادره بتغيرات عميقة واسعة متلاحقة تشمل الجوانب العلمية والتكنولوجية والاجتماعية والثقافية من حياة مجتمعنا. ان اعداد ابنائنا لمواجهة هذا القرن الذي تؤذن بوادره بعظيم تحدياته يتطلب امورا ثلاثة سوف تسعى هذا الدراسة لاستيفائها: اولها: معرفة دقيقة واعية بواقعنا: امكاناته ومشكلاته وقيوده ومنطلقاته. ثانيها: استشراف علمي للمستقبل تفهما لحواكمه وابعاده, ومتطلبات الحياة فيه, وحجم تحدياته ونوعيتها. ثالثها: ان نسعى في ضوء وعينا بالواقع ووضوح صورة المستقبل لكي نرسم المشاهد او التوقعات المختلفة التي يقودنا اليها الحاضر في رحلته الى المستقبل: من انطلاق ومواكبة, او اصلاح جزئي ومحاولة معايشة, او تدهور وانهيار, ليستبين في ضوء ذلك السبيل الى الوصول بنجاح الى ارض المستقبل. المستقبل وتحدياته: واذا اردنا المستقبل الافضل لأجيالنا في جميع المجالات لابد من اعدادهم اعدادا جيدا لمواجهة تحديات العصر, ولايتم لنا ذلك الا بالرحلة المرجوة المخططة من جميع جوانبها سواء اجتماعية وسياسية واقتصادية, وآليات واضحة للتنفيذ, ومن ثم يأتي النظام التربوي مكملا ايقاع تلك الخطط والآليات باتجاه تحقيق الحلم والامل في ان نتمكن ـ ولو بقدر ما ـ من الاسهام في مكونات حركة هذا العالم الجديد الذي يتوقف بناؤه على حجم ونوع ما نقوم به منذ الآن من جهود مخططة تشترك فيه جميع مؤسسات دولتنا حكومية وغير حكومية. ومن اجل الوصول الي المخطط المنتظر, لابد من عمل دائب للتخلص من اثقالنا ومشكلاتنا وعوائقنا التي تشدنا الى الخلف او تبقينا اسارى الحاضر حتى نتمكن من اكتساب القدرة والمهارة اللازمتين لتحقيق مثل هذا الانجاز. وبالعودة الى النظرة السريعة الى واقع مجتمعنا التربوي التعليمي, نرى انه في بداية القرن الحادي والعشرين, وهو يحمل اثقالا ضخمة, تحول بينه وبين ملاحقة عالم الانجاز الجديد, مذهل في سرعة تقدمه وابداع أمته, متنام في انجازاته العلمية والتكنولوجية والتقنية مخيف فيما يسوده من عنف حضاري وتعليمي وما يحمله من منافسة تربوية شرسة في كافة نواحيها. واذا رصدنا ما يكبل مجتمع دولتنا من مشكلات لها جذورها التاريخية والمعاصرة سنتوقف عند المعضلة السكانية, واثر القنوات الفضائية, والواقع التربوي باعتبارها من ابرز ما يعيق وطننا عن الانطلاق. التركيبة السكانية تعتبر مشكلة التركيبة السكانية من اكثر المشكلات صعوبة حينما يتناول الباحث دراستها, خصوصا في دولة مثل دولتنا التي تعاني من قلة البيانات والتعددات السكانية الصحيحة والدقيقة, وهذا ما يجعل من الصعوبة تتبع التغيرات السكانية التي تحدث في هذا المجتمع من حيث ارتفاع معدلات النمو بصورتها السريعة والمفاجئة بسبب الهجرة الوافدة التي استقبلتها الدولة منذ نشأتها الى يومنا هذا. وقد اصبحت الفئة الوافدة وخاصة الآسيوية تمثل أغلبية في هذا المجتمع, الامر الذي خلق مشكلة تؤرق المسئولين في الدولة. ان دراسة حجم ونمو السكان لأية دولة تعتبر خطوة أساسية في فهم عملية التطور من جميع نواحيها وفي مقدمتها الناحية التطويرية الاقتصادية والثقافية والاجتماعية. والهجرة الوافدة المتزايدة منذ قيام دولتنا, كان يمكن ان تمثل عامل قوة واداة تنمية من منظور تكامل اقتصادي وثقافي مشترك بين دولتنا والاخوة العرب المقيمين دون الحاجة الى السكان الاسيويين ومع ذلك فان جوهر المشكلة السكانية لا يكمن في تزايد السكان بقدر ما يدفع إليه غياب السياسات التنموية الشاملة والمتكاملة لدولتنا منذ بدايتها, والتي تنسق بين امكانيات واحتياجات كل امارة في اطار تكاملي. والدراسات المتواترة تشير الى ان بلدنا يمكن ان ينهض كما وكيفا ونوعا اذا ما تم استثمار كل طاقته البشرية والطبيعية بنهج علمي صحيح, ولكن عزوف الانسان الاماراتي نوعا ما عن بعض الاعمال التي تناط به والتي تحتاج اليها الدولة في امس الحاجة اصبح عامل ضعف يدفع للمزيد من العمالة الاجنبية والى ابتلاع الموارد المحدودة للتنمية وبخاصة ان مجتمعنا يعاني من عدم استخدام طاقاته البشرية بشكل فعال, وهو ما تعكسه نسبة المساهمة في النشاط الاقتصادي بعامة ومساهمة النساء بخاصة وهو ما ينعكس ايضا في ازدياد البطالة والاضطرابات الاجتماعية والمخاطر الامنية, ويساهم بارتفاع رصيد الامية واعداد من هم خارج المدرسة, ويضغط كل ذلك على الاقتصاد القومي حيث تزداد الحاجة الى الايدي العاملة والمعونات والقروض لمواجهة النمو ومتطلباته, ومن ثم نتجه نحو التبعية للمانحين. ويكفي ان نعلم انه في كل عام دراسي يتسرب من 10 الى 12 طالبا من كل مدرسة حكومية, وذلك لنقص الرعاية التعليمية التقنية التي تجذب الطلاب للعلم والتعلم. والسؤال الاهم الآن هو هل ننتظر الوصول الى بوادر مرحلة التقشف؟ ان نواصل الاعتماد على العمالة الاجنبية بكل هذه النواقص, التي تنعكس سلبا على النظم التربوية وامكاناتها. والجواب الافضل في رأينا هو التوكيد على دور التربية ومناهجها في التوعية بحتمية التكامل الاقتصادي الموحد الذي يكفل للطاقة الاماراتية السكانية الخروج من التبعية الى الذات القومية, مما يساهم في اصلاح التركيبة السكانية باتجاه منسجم مع انتمائنا وثقافتنا ومصالحها, وأؤكد هنا على دور القرار السياسي في الدولة بالوصول الى آليات اكثر فاعلية لتجاوز الواقع الراهن, المخيف الذي نشاهده كل يوم. وعلى سبيل المثال, ها هي الدول الاوروبية التي عاشت قرونا تعاني من حروب وعدوان, تتمكن من الوصول الى مشاريع متكاملة سواء في الاقتصاد او النظام التربوي وغيره بما ينعكس ايجابيا على مصالح وحياة الجميع. القنوات الفضائية ان للاعلام دورا فاعلا باعتباره وسيلة اساسية لتربية الامة وترسيخ الوعي لدى الشباب بكثير من الحقائق. واذا انتلقنا الى الوضع الراهن للاعلام في الوطن العربي عامة ودولة الامارات خاصة فنلاحظ انه منذ بداية مطلع التسعينيات من القرن العشرين حتى يومنا هذا تتزايد القنوات الفضائية التلفزيونية العابرة للحدود عبر الفضاء حتى اصبحت المنطقة العربية في مجملها تحت تغطية عدد من القنوات الاجنبية والممولة عربيا والعربية. وفي الحقيقة فإن تزايد القنوات الفضائية والتكنولوجية الحديثة سلاح ذو حدين, اذ يمكن ان يسهم في نمو المجتمع وتطوره والتأكيد على القيم والاتجاهات والأسس فيه كما يمكن ان يسهم ويستخدم في هدم أعمدته من خلال ترويج مبادئ وافكار لا تتلاءم مع مجتمعنا وذلك لما لوسائل الاعلام الحديثة اليوم من مكانة خطيرة في توجيه عقول الجماهير وتشكيل سلوكيات الناس في عالم تحول الى قرية صغيرة قربت فيه وسائل الاعلام المسافات وربطت شبكة معقدة من الاتصالات بين دوله وشعوبه بصورة لم يسبق لها مثيل. وجوهر المشكلة في دولتنا من ناحية القنوات الفضائية لا تكمن في عدد المحطات الفضائية التي نستقبلها بقدر ماهو غياب التنسيق بين القنوات المحلية والعربية ومدى فائدتها للمجتمع فالمتتبع لخطط المؤسسات الاعلامية المعنية بالتربية والتنشئة الاجتماعية التي من خلالها يمكن تحصين ابنائنا من الانحرفات الخلقية, سيلاحظ ان برامجها لا تشكل 5% من المعدل العام للقنوات الفضائية العربية. ولايفوتني هنا ان اشير الى ان مجتمعنا وطلابنا يتعرضون لغارات اعلامية صاعقة تهز تراثهم وقيمهم وتفقدهم توازنهم والدليل على ذلك الممارسات التي يقوم بها افراد من المجتمع في الاماكن العامة والممارسات التي يقوم بها طلاب في المدارس تجاه الاداريين والمعلمين اذ استطاع البث الاجنبي اختراق الاذواق الاجتماعية والثقافية لمجتمعاتنا بل ووصل به الامر الى خلخلة النظم الاجتماعية في مجتمعنا من خلال تحطيم القيم السائدة والشباب (ابناؤنا) هم اكثر الفئات التي يمكن ان تنساق وراء القيم العادات التي تبنتاها القنوات الاجنبية والممولة عربيا وذلك بحكم طبيعتها الرافضة, ورغبتهم في الحصول على المعرفة من اي طريق كان. ان تعرض ابنائنا صغارا وكبارا لمواد البث الوافد يمكن ان يكون وسيلة للهروب من الواقع الصعب الذي يعيشون متناقضاته او تخلف الاشكال الاعلامية المحلية سائدة حيث يصبح مشاهدة هذه المواد الاجنبية وسيلة هروب مثل الهروب الى الماضي او الاستغراق في احلام اليقظة او اللجوء الى العنف كمظاهر لرفض الواقع وتحديه! ويلاحظ من خلال البث التلفزيوني في دولتنا ان أغلبيته اتجه الى التركيز على الدراما المحلية دون التوسع في الدراما التعليمية, وستزداد خطورة البرامج التلفزيونية عموما اذا لم يصاحبها تزايد في البرامج الهادفة الثقافية التي تتعلق بالنظام التربوي المعاصر, ومن اجل ذلك اضحى من الواجب ضرورة تغيير نظام التعليم التقليدي الذي بات عاجزا عن تلبية الحاجات المتزايدة. وما زالت الاصوات ترتفع في مختلف مناطق الدولة داعية الى النظر في التعليم الحالي, وتعويضه بنظام اخر يكون اكثر ملاءمة للعصر, وأقدر على التكيف مع حاجات القرن الحادي والعشرين, وذلك بالاعتماد على تكنولوجيا القنوات الفضائية الحديثة المناسبة وتكنولوجيا الاتصال لتطوير نظام تربوي جديد معتمدا على مناهج تربوية جديدة قادرة على تخريج الانسان الاماراتي المبدع الذي يشارك في تنمية سوق العمل, فهذه هي ميزة السياسة الاعلامية التي تخدم الاهداف التربوية. اما الخروج من النظرة التقليدية الضيقة لقنواتنا فيتم بتقديم بديل اعلامي اسلامي قوي يجعل ابناءنا في غنى عن هذا البث الخارجي في جانبه الضار وايجاد قنوات بديلة مثل قناة تمثل تحليلا لمناهجنا الدراسية تحسن عرض المادة الدراسية على المشاهدين بصورة جيدة ممزوجة باللغة العربية وهو لم يتحقق حتى الان ومن اجل النهوض بالتربية لابد من التوجيه فورا بالوصول الى آليات فاعلة تقوم على بحوث ودراسات علمية متعمقة من اجل التصدي لمشكلة القنوات الفضائية المستوردة. الواقع التعليمي اذا تحدثنا عن الوضع الراهن للتعليم في دولة الامارات العربية المتحدة سنلاحظ ان ثروتنا البشرية مازالت تواجه واقعا مريرا ملئيا بالمجاملات! وخاصة من القائمين على التربية والتعليم, فمازالت الامية تتربع على قمة الهرم رغم ما حققته الجهود المبذولة من تقدم حيث تتزايد اعداد الاميين وان تراجعت نسبتهم الى السكان فقد ارتفع عدد الاميين ممن هم في سن الحادية عشرة فما فوق للجنسين, ومن المتوقع ان يرتفع العدد في نهاية القرن. ونتساءل هل حقيقة لايعتبر اميا في مطلع القرن الحادي والعشرين من لم يتعلم كيف يكتسب ذاتيا الجديد الذي يحتاج اليه من المعلومات؟ يقدر البعض ان نسبة غير الاميين تكنولوجيا اي من تتوافر لديهم المهارات اللازمة للتعامل مع الحاسب الالي واجهزة المعلومات مازالت لاتتجاوز 1% من المجموع ممن هم فوق سن الحادية عشرة والخامسة عشرة في كافة مناطق الامارات. اما بالنسبة لمدى استيعاب النظم التعليمية في دولة الامارات لمن هم في سن التعليم في المراحل المختلفة فالنمو كما وكيفا واضح من الابتدائي حتى التعليم الثانوي سواء فنيا او صناعيا اما بالنسبة للطلاب المسجلين في الدراسات الانسانية بالتعليم العالي فأعدادهم اعلى بكثير من المسجلين في الدراسات العلمية والمهنية في هذا المستوى, وهناك تزايد ملحوظ في الانفاق على التعليم ويبقى ان نتوقف نوعا ما عند هيكل الانفاق على التربية في دولتنا كما تقدمه لنا المعلومات المرجعية. تشير الاحصاءات والمرجعية الاستراتيجية الى ان النفقات الادارية بما فيها رواتب المعلمين تمثل الجزء الاكبر من الانفاق التعليمي الجاري, وهي تتفاوت نسبتها بين المواطنين والوافدين, كما يوازيها الانفاق على المواد الخام والعلاقات المدرسية والخدمات الترفيهية والابنية والتجهيزات المعمرة والمختبرات والصالات الرياضية وغيرها, وهذه الامكانات نطلق عليها (الانفاق من الجانب الكمي) اما الانفاق على الجانب الكيفي وتطويره فيظل محدودا. واذا اردنا ان ندلل على مدى نجاح هذا الانفاق في الحصول على مردود جيد في تحقيق التربية لاهدافها الشاملة في بناء الشخصية المتكاملة للفرد واكتسابه المهارات الاساسية وبث الاتجاهات والقيم التي من خلالها يتطور المجتمع ويتقدم ويستجيب لحاجاته من الموارد البشرية فلننظر في المعطيات التالية: يزداد عدد الخريجين الا ان هناك عدة انظمة يتأثر بها الخريج وتؤثر على مستقبله, فمثلا هناك ما يأتي من خارج النظام التربوي, وبالتحديد من الاسرة التي ترفض الاهتمام بأطفالها في مرحلة التعليم الاساسي وهناك اسباب تأتي من داخل النظام التربوي في مقدمتها تربية الذاكرة والحشو الزائد للمعلومات دون وضع اي اعتبار للمهارات الاساسية الاخرى كالفهم والاستنتاج ..الخ. اما الجوانب الاخرى الموازية لتلك الاسباب فيأتي على رأسها التقويم الذي لا يزال مقتصرا اما على المؤشرات عامة للكفاية الداخلية للتعليم كمعدلات الرسوب والتسرب دون تحديد واضح لجوانب المنظومة التربوية التي اسهمت في هذا القصور او التميز, او مؤشرات حول مدى فاعلية النظام التربوي في توفير الاطر والموارد البشرية اللازمة لمشروعات التنمية في مجتمعنا حيث نكتفي دائما ببيان الاعداد والتخصصات التي وفرت او قصر في توفيرها دون عمل تقويمي علمي يردها الى حركة المنظومة التربوية ونوعية تفاعلها الذي اسهم في ذلك بما يقدم الرؤية الواضحة لمسار الاصلاح. بل انه من الملاحظ منذ بداية التعليم في دولتنا, انه لا يتوافر في الميدان التعليمي بعامة تقنين علمي على المستوى العلمي او الادبي او الفني او التجاري في كل مادة دراسية لكل مرحلة دراسية تحدد لنا ماذا ينبغي ان يعرفه المتعلم باتقان؟ وماذا قدم له المعلم من مهارة؟ وهل اكتسب تلك المهارة باتقان؟ واي الاتجاهات والقيم قد نمت لديه وعرفها بحيث تمنحه الدافعية لمواصلة التعلم في هذا المجال؟ وهل أوصلها الى ولي امره لمساعدته في تطبيقها؟ ان وضوح هذه المستويات من الكفايات للمعلم وولي الامر وتوافر ادوات علمية موثوقة تقيس ما استطاع المتعلم ان يكتسبه منها تمثل مطلبا اساسيا لتوفير التغذية الراجعة اللازمة لتوجيه الجهود واطلاق الاحكام حول ما حققناه وما لم نحققه في عملنا التربوي على اساس علمي سليم. وفي الحقيقة فان الجانب التقويمي العلمي لعملنا التربوي في شموله وفي كل جانب من جوانب منظومته واهدافه لا يزال اما غائبا او متعثرا او محدودا في واقع ادائنا التربوي الحالي, فالمتعلم لا يمثل الا مواطن الجرح والاختناق واللامبالاة في ادائنا التربوي بينما يظهر الاداء الاداري في البحث عن اخطاء المعلمين. وهذا مؤشر على ان الفجوة كبيرة والقدرة على البحث والتطوير بين المعلم والمتعلم تحتاج الى اعادة النظر في الادارات المدرسية التي ما زالت الى يومنا هذا ادارات (تسيير) لا ادارات (تطوير) للمناهج وما تبعتها من امور جوهرية اخرى. اما بخصوص جهودنا في التوصل الى مستوى اداء بعض البلدان الخليجية وليس العالمية فهي جهود لا تزال محدودة. فاذا اردنا للمؤسسة التربوية ان تواجه ما عددنا من جوانب القصور, فان ذلك لا يمكن ان يتم بتمويل من ميزانية حكومية محدودة بقيود ومحدودات تتزايد عليها الضغوط ولهذا لابد من مشاركة افراد المجتمع في تحقيق الاهداف وفي مقدمتها القطاع الخاص غير الحكومي واجتذابه بمنظماته ومؤسساته للمشاركة بالحوار والتخطيط ومن ثم التمويل اللازم لتحقيق اهداف التربية ومن ثم تحقيق التحولات. تحديات المستقبل والسؤال الآن. ماذا عن الغد والمستقبل؟ وماذا اعددنا لمواجهته؟ ربما ازداد كثيرا طرح التساؤلات عند كثيرين من المسئولين والباحثين والاعلاميين حول ما سيؤول اليه هذا القرن من بحوث ودراسات, والجميع صاح صيحاته انه قرن جديد, بل ألفية ثالثة جديدة وعصر جديد.. الخ. هذا القرن يطل علينا باطلالة ثورة المعلومات والتكنولوجيا كما اكدت على ذلك كثير من الدراسات على المستوى العالمي والعربي, ومن اهم هذه الدراسات تقرير اللجنة الدولية المعنية بالتربية للقرن الحادي والعشرين, الذي يضعنا امام مجموعة من المخاطر والكوارث والتوترات التي تضع على كاهل التربية مسئولية اعداد الاجيال لمواجهتها وتجاوزها ونحن في بدايات القرن الحادي والعشرين ومنها: 1) التوتر بين الكلي والخصوصي بين عالمية الثقافة والحفاظ على هوية الفرد وطابعه الذي يتمثل في نزوعه الى اختيار مصيره والحفاظ على تقاليده وثقافته الخاصة التي تهددها التطورات التاريخية. 2) التوتر بين العالمي والمحلي, حيث تفرض المتغيرات العالمية ان يصبح المرء شيئا فشىئا مواطنا عالميا, دون ان ينفصل عن جذوره, او يتخلى عن الاسهام والمشاركة بنشاط في المجالات الحيوية لامته ومجتمعه. 3 ـ التوتر بين التقاليد والحداثة, مما يتطلب موقفا يمكن من التجاوب مع الغير دون تنكر للذات, وبناء الاستقلال الذاتي في تكامل واتساق مع حرية الآخرين, ومواجهة التحدي الذي تطرحه تكنولوجيا المعلومات الجديدة, وهكذا, فهناك كثير من التوترات المشابهة جاءت في الدراسة سالفة الذكر, مثل التوتر بين الرؤية الممتدة والمطالب الوقتية, والتوتر بين الحاجة إلى التنافس والحرص على تكافؤ الفرص السياسية والاقتصادية والثقافية, والتوتر بين التوسع الهائل للمعارف, وقدرة الانسان على استيعابها, وأخيرا التوتر الروحي والمادي. ثم ان السعي إلى استشراف المستقبل ليس ترفا أو رياضة ذهنية, فقد ترسخت أقدام المشاكل المحيطة بنا في حقل العلم والمعرفة, وتأصلت مناهجه منذ بداية التعليم, وأصبح اليوم لازما في عملية صنع القرار, إذ يقدم لصانع القرار رؤية مستقبلية على غرار رؤية 2020 ويفوقها, نظرا لما سيواجهه الانسان الاماراتي المتعلم في المستقبل من مخاطر تفوق ما عليه الآن حجما ونوعا وتأثيرا, وبحيث يتيح لصانع القرار ان يخطط لمواجهتها ويتخذ سياسات رشيدة للاستعداد لها وتجاوزها. ولاشك ان في حقلنا التربوي ونظامنا بشكل عام اليوم كثيرا من المشكلات التي تكبلنا, ولو طلب من أحد من المسئولين في وزارة التربية والتعليم ان يعددها لا يستطيع, ولكن يمكن ان يتجنبها لأسباب كثيرة منها قصر النظرة المستقبلية في الماضي والانشغال المستغرق في الأمور الآنية! فنحن مطالبون بأن نصنع المستقبل, وإذا عدنا لتساؤلنا الأساسي والمهم عن الغد, وماذا أعددنا له, وركزنا في اجابتنا على مجالنا التربوي, فإننا نفرق بين الاعداد للغد بالوعي النابع من الفكر ودراسة للحاضر, وما يدور في واقع الميدان التربوي ومشكلاته ثم المستقبل وآفاقه, وانتقال هذا الفكر من رؤية ووعي إلى إرادة مصممة على التغيير من خلال طرح حلول لتلك المشكلات, وخطة يتم اعدادها وقرار سياسي لا ينفصل عن الذات القومية حتى يتسنى له حشد القوى للتنفيذ. وينتهي بنا التأمل في حصاد الاستشراف المستقبلي الذي نتوصل إليه من خلال سردنا للمشاكل التي تعانيها الدولة منذ قيامها حتى اليوم سواء مشاكل اجتماعية بشكل عام وتربوية بشكل خاص, إلى انه لابد من تربية مستقبلية تعتمد على الانسان المواطن مزودا بفاعلية تعتمد على المرونة والتغيير في التصدي للثورة التكنولوجية وثورة المعلومات والاتصالات ونتائجها والتكتلات الاقتصادية والثورة الديمقراطية. أسس واجبة السؤال الذي يطرح نفسه أخيراً: ما هي الأسس التي ينبغي التركيز عليها في نظم تعليمنا ليكون القرن الحادي والعشرين بعيدا عن التدهور والانحطاط والانزلاق متطلعاً إلى الانتاجية في تحقيق الأهداف التربوية؟ الاجابة هي: 1ـ التركيز في فلسفة التعلم ومناهجه ونظم تقويمه على تعليم الطالب كيف يتعلم, وان يصبح المجتمع بكامله المعلم المتعلم من خلال فتح فرص للتعلم. 2ـ اقامة الجسور بين المسئولين في الوزارة وحلقات التعليم المختلفة ومراحله وأنواعه وموظفيه من المدرس إلى مدير المدرسة كبديل عن المسار الواحد الروتيني المتصل, كما ينبغي التركيز على اقامة الجسور بين التعليم النظامي وغير النظامي بما يسمح بالالتحاق بالتعليم والخروج للعمل والعودة للتعليم مرة أخرى. 3 ـ ان يصبح التعليم وأعباؤه مسئولية المجتمع تشترك فيها إلى جوار الحكومة المؤسسات غير الحكومية الاجتماعية والثقافية والاقتصادية المختلفة وبالمشاركة في تمويل برامجه من أجل التنمية الافقية والرأسية. 4 ـ التركيز على التعليم من مدخل الاتجاهات والقيم وأنماط السلوك والمعارف والكفاءات والمهارات, وفك الارتباط بين الشهادة والوظيفة, فمن شأن هذا التوجه ان يجعل الطلاب أكثر حرصا على متابعة التغيرات في سوق العمل وديناميات العرض من ناحية والحفاظ على العادات والتقاليد من ناحية أخرى, مما يؤدي إلى الطلب والاستعداد للعودة للدراسة مرة أخرى انطلاقا من تلك المبادئ لاكتساب مهارات جديدة يتطلبها سوق العمل. 5 ـ البحث عن استراتيجية حول اعداد المناهج والمعلمين والادارة التربوية بحيث تكون أدوات (تطوير) لا (تسيير) . وأخيرا, فإن مرحلة الاعداد لمواجهة القرن الحادي والعشرين ليست مسئولية الحكومة وحدها ووزارة التربية فلا نجاح للتربية إلا إذا كانت وراءها أسرة وبيت يدعمان توجهات الأبناء ويغرسان في عقولهم وقلوبهم الثوابت التي تقوم عليها النهضة والتنمية والوطنية. ان مهمة كل أب في هذه الدولة, وكل مرب مخلص صادق ينتمي عقله وقلبه إلى هذا الوطن ان ينقل هذا الأمل إلى أبنائه ومحيط أسرته.