عندما نشر السيد بنيامين فيلكوميركسي كتابه المؤلف من 155 صفحة فقط لا غير, فرك اليهود في أوروبا والعالم أيديهم فرحا.. ها هو العالم يستقبل كتابا جديدا يضاف إلى تراث الهولوكوست الذي أصبح كما يقول المصريون (سبوبة) أو مصدر تربح وإرتزاق ـ كي لا نقول رزقا ـ لليهود وقياداتهم الصهيونية في إسرائيل .. ثم أن الكتاب صدر باللغة الألمانية في خريف عام 1998 نفس اللغة التي مازال اليهود مصرين على أن يتحمل الناطقون بها ـ الشعب الألماني ـ وزر خطايا العهد النازي ومنها اضطهاد اليهود وتدبير محارق الهولوكوست للملايين منهم في معسكرات الاعتقال وفي أفران الغاز .. كما تصورها بروباجندا الصهيونية في داخاو واوشفيتز وغيرهما من المواقع التي اصطنعوا لها تاريخا وصنعوا منها حتى الآن مزارات .. لزوم متعة السياح. هكذا ظل الناس على مدى شهور عديدة يقرأون الكتاب الذي ألمحنا إليه وقد أصدره صاحبه, وهو بداهة يهودي قح كما يظهر أسمه بعنوان رقيق يتسلل إلى النفس بعيدا عن آلة البروباجندا وهو: "شذرات" ذكريات وميلودراما أدار المؤلف حكاية الشذرات هذه على قصة طفل (وتلك بداية الميلودراما) وهو أيضا طفل يتيم عاش وعانى الاضطهاد وذاق محنة الهولوكوست, لا في معسكر واحد من معسكرات المحارق النازية بل في أثنين فوق البيعة من تلك المعسكرات, والطفل من جمهورية لاتفيا, وهي واحدة من دويلات بحر البلطيق وكانت تابعة في الماضي إلى الاتحاد السوفييتي الراحل في التاريخ, ثم كانت أولى اللبنات التي عمد إلى نزعها من الهيكل السوفييتي, آخر زعمائه السيد جورباتشوف الذي أصبح معبودا في الولايات المتحدة بفضل دوره التاريخي طبعا في تفكيك الدولة التي كانت عظمى وكانت خصما يهدد إنفراد أمريكا بزعامة العالم, وبالأدق الهيمنة على أقدار العالم (نكتب هذه السطور فيما تقام الاحتفالات والتكريمات في القاهرة لزعيم التفكيك في مجال الفكر والنقد الأدبي وهو الفيلسوف الفرنسي جاك دريدة الذي يزور العاصمة المصرية هذه الأيام. المهم أن الكتاب الدقيق الحجم أحتوى تفاصيل وذكريات وأفادات وشهادات تمس شغاف الوجدان وتقطع كما يقولون في البلاغة نياط القلب: طفل .. يتيم .. يهودي .. حبسوه في معسكر نازي. يعاين مع مطلع كل صباح حوادث القهر والاضطهاد.. يرقب أفواج الجرذان تعبث فسادا في جنبات المعسكر.. ويعاين جموع الأطفال اليهود طبعا ساكني المعسكر الهولوكوستي المقيت و قد أستبدت بهم المسغبة فلا أحد يقدم لهم طعاما.. يقيم الأود ومن ثم يقول كتاب (الشذرات) أنهم كانوا يعمدون إلى أصابعهم النحيلة يمتصونها حتى العظام كما يقول الكتاب. ومع مطلع عا م 1999 الماضي تلقنت دوائر البروباجاندا الصهوينية صدور الكتاب, فكان أن جعلته منهجا مقررا على الناس في إنحاء شتى من العالم, وأول خطوات هذا المقرر كانت ترجمته إلى لغات أوروبية عديدة في وقت قياسي, ولا غرو فالأموال أكثر من متاحة وماكينة الدعاية والترويج والعروض النقدية وأقلام النقاد يكتبون ويشيدون ويسلطون الأضواء ويستجلبون اهتمامات القارئين , ومن قبلهم جهود المترجمين, أبرع المترجمين .. كل هذا كان جاهزا وكان على أهبة الاستعداد للعمل والإنجاز,. لغة الطفولة البسيطة وقد عمد القوم إلى ترجمة كتاب "شذرات) إلى الإبقاء على بساطة اللغة التي وضع بها في أصله الألماني, هي لغة الطفل اليتيم المهضوم الحق, الوحيد في دنيا الغدر والشظف والاضطهاد, لمجرد أنه كان يهوديا. وبعد دورات ماكينة النشر والدعاية, خفت إلى العمل والدورات بغير ملل ماكينة أخرى, هي آلة الجوائز وشارات التكريم التي حصدها الكتاب وخلعوها على مؤلفه السويسري الأصل. وليس صدفة في هذا السياق أن تحمل أولى جوائز الكتاب عنوانا يقول: الجائزة القومية للكتاب اليهودي في الولايات المتحدة. وأن تحمل الجائزة التي تليها من فرنسا هذه المرة عنوانا آخر يقول: الجائزة التذكارية للمحرقة في فرنسا وبعد الجوائز الرفيعة كان من الطبيعي أن توجه الدعوات السخية إلى المؤلف السيد بنيامين فيلكوميركسي ( وعنك من صعوبة الاسم) لكي يلقي محاضراته القيمة ويدلي بتصريحاته وذكرياته التي لا تنسى في أكثر من جامعة وفوق أكثر من منبر في امريكا.. ولم يكن مصادفة أيضا أن يتولى أمر هذه المحاضرات توجيها وترتيبا ومتابعة وإعلاما هيئة تحمل هذا العنوان: متحف الهولوكوست التذكاري في الولايات المتحدة شبكة صهيونية فأنت إذا أمام شبكة متكاملة .. متوائمة الأزرار تتناغم جهودها في إطار التنسيق الدقيق, لا في أمريكا وحدها, ولكن على جانبي المحيط الأطلسي.. وكل نغماته المتوائمة المتناسقة توقع معزوفة واحدة هي أن الهولوكوست أمرا مؤكدا في التاريخ القريب للإنسانية, وأنه لم يخلف ضحايا سوى اليهود وحدهم دون غيرهم ممن تعرضوا لعسف النازي وأن اليهود من ثم هم الأولى والأجدر إلى حد التفرد والاحتكار بالتعويض الأدبي على شكل اعتذاريات, ولم يسمع بها الشاعر الجاهلي النابغة وهو سيد أدب الاعتذار, والتعويض المادي, وهذا هو المهم, على شكل أموال تقدم بشيكات مليارية وأحيانا على شكل صفقات أسلحة سوبر مقدمة من البلد الجاني وهو ألمانيا بطبيعة الحال أو من البلد الحاني الحادب والراعي وهو الولايات المتحدة. والويل لمن تسول له نفسه أن يشكك في أمر الهولوكوست, بل المطلوب وهو ما يسعى إليه سدنة الصهيونية حاليا وفعلا ان يصبح الهولوكوست مادة مقررة ضمن مناهج الدراسة من الإبتدائية إلى الثانوية في معاهد العالم وأن تخف أجهزة الميديا في بلد كبير مثل أمريكا وهو ما عايشه بالفعل كاتب السطور عبر سنوات عدة إلى معاودة إنعاش ذاكرة الناس وتنشيط مدارك وعيهم بين حين وآخر حتى لا ينسوا اضطهاد اليهود, ومن عجب أنهم ينسون في كثير من الأحيان. هكذا سارت الريح رخاء وظل اليهود الصهاينة يفركون أيديهم جزلا وطربا إزاء ما أضيف من شذرات على لسان طفل وذكريات تؤكد ببراءة الطفولة أيضا حدوث الهولوكوست. ولكن حبل الكذب قصير .. فقد جاءت اللحظة التي أنعكس فيها اتجاه الريح. بين الشك والحقيقة والحاصل أن بدأت أوساط ودوائر شتى في مجال النشر بالذات في أوروبا وأمريكا تخضع كتاب الشذرات إياه لنوع من التحليل العلمي والتحقيق أو التحقق التاريخي. صحيح أن الكتاب كان قد اكتسب مصداقية بفضل صدوره عن مؤسسة سوركامب وهي من كبريات دور النشر في ألمانيا مما دفع بعشرات الناشرين من شتى أنحاء العالم إلى التعاقد على نشره بلغات مختلفة , دع عنك ما حازه مؤلفه الشاطر من شارات التكريم والتفخيم. لكن عندما بدأ أكثر من صوت محترم أدبيا وعلميا يرتفع لمناقشة هذه التفصيلة أو تلك من سطور ووقائع الكتاب, قررت السيدة إيفا كورالنك مسؤولة الوكيل السويسري الأدبي للمؤلف أن يحسم الأمر, فأما أن يرد على كبير المشككين ويلقمه حجرا من المصداقية كما قد نقول ومن ثم يجني الوكيل مع المؤلف صنوف الربح الطائل الوفير, وأما أن يعمل إلى نوع من الحكم اليقيني الذي يبت في مصير الكتاب وينقذ بذلك سمعته كوكيل أدبي سويسري بالغ الاحترام. هنالك قرر الوكيل الأدبي تكليف ناقد ومؤرخ من الثقات المختصين بإجراء تحقيق واسع النطاق عن الموضوع, ولقد أمضى هذا المؤرخ المحقق, وأسمه ستيفان ماشلر ستة أشهر كاملة تتبع فيها بالرصد والتوثيق ومراجعة آلاف المستندات من تاريخ أوائل القرن العشرين ومن حياة المؤلف شخصيا بين لاتفيا في سويسرا إلى أن وضع المؤرخ المحقق تفسيره في نحو 100 صفحة, وقد أذيع في الأسبوع الأول من شهر أكتوبر الماضي. جاء التقرير قنبلة تفجرت في دنيا النشر في ألمانيا وسويسرا وأمريكا على السواء . وجاء بمثابة حجر بل مجموعة أحجار في حنجرة الأوساط الصهيونية التي تود لو تحل حكايات أو أساطير الهولوكوست في مكانة الكتب المنزلة من لدن السماء. التلفاز يفجر القنبلة وعمدت كبرى محطات التليفزيون السويسرية (ربما بنوع من التشفي) إلى إذاعة كل تفاصيل التقرير الذي أكد فيه واضعه أن كتاب شذرات ما هو إلا أكذوبة من أولها إلى آخرها, وأن سطوره مجرد تلفيق لا أصل لها ولا سند من الحقيقة, وأن مؤلفه كذاب أشر التقط ـ على السماع ـ حكاية من هنا وراوية من هناك, ثم قام بنسجها وأصطنعها على لسان طفل لم يكن له وجود وكله كان من نسج عقل لا يتوخى كلمة حق يقولها, ولكن يقصد إلى أرباح طائلة يجنيها وسمعة مستطيلة يحصل عليها وثناء أكثر من مستطاب يطوق هامته لأنه أضاف حكاية جديدة إلى أقاويل الهولوكوست. كان تقرير الأستاذ المؤرخ سريا إلى أن أذاعته المحطة السويسرية. وفي نفس يوم إذاعته أعلن الناشر الألماني, وقلبه يقطر أسى كما جاء في إعلانه أنه سوف يسحب من الأسواق كتاب "شذرات) ثم أبتلع الناشر كبرياءه وأوضح في بيانه أنه كان مخدو عا في مصداقية محتوى الكتاب وأن الدرس والتحقيق العلمي أكد أن مؤلف الكتاب السيد بنيامين لم يكن هو الطفل اليتيم المولود في لاتفيا البلطيقية والمودع في معسكرات النازي خلال حقبة الحرب العالمية الثانية, بل لقد ثبت من مستندات المواليد والهوية والنشأة أنه طفل سويسري المولد وسجل في دفاتر النفوس السويسرية تحت اسم برونو دوسكر ولأنه حين اقيمت معسكرات الاضطهاد في بولندا والتي وصفها في كتابه المنشود لم يكن قد ولد أصلا, أو كان رضيعا, لا شاف معسكرات ولا عانى اضطهادات.. دع عنك حكاية الفئران التي كان يعايشها في مواقع الهولوكوست. بل أثبت التحقيق التاريخي, بالمستندات أيضا أن المؤلف إذ كان طفلا لم يبرح سويسرا إلى خارج حدودها خلال سنوات الحرب العالمية وربما ترجع موجة التعاطف مع المؤلف, ما أثبته التحقيق التاريخي من أنه نشأ في سويسرا طفلا بالتبني وأنه أمضى عقودا من الزمن في حال البحث عن هويته أو أبويه الراحلين. والمهم أنه بعد إذاعة التقرير فقد عمد الناشرون في ألمانيا أو سويسرا أو أمريكا إلى قصر الموضوع على حكاية مؤلفه وحدها ولم يجرؤ أي من النقاد أو المؤرخين المحققين إلى التطرق إلى القضية الأشمل والأعمق وهي قضية الهولوكوست.. حدوثها في التاريخ أصلا, ومدى مصداقيتها, ومابرحت لتستند في الأساس إلى محكيات وذكريات وتحريضات وتكهنات وأقاويل واستنتاجات وكلها قرائن تساق على السماع (هير ساي) كما يقول المصطلح القانوني في فقه العرب وفي تعبير الأنجليز, ومثل هذه القرائن أو المسموعات لا ترقى في التحليل الأخير إلى أن تشكل أسسا أو ركائز يقدم عليها أتهام تاريخي لفرد أو زعيم, ناهيك عن أتهام لشعب بأكلمه له اسهاماته في الفكر والفلسفة والحضارة والتكنولوجيا مثل الشعب الألماني, أو يتم على أساسها المطالبة بتعويضات مادية ومالية تصل في قيمتها إلى خانة المليارات, ناهيك أن تظل معينا لا ينضب للتربح وللإبتزاز الفكري والإرهاب المعنوي الذي طالما مارسته الصهيونية العالمية وآخرها ما لجأت إليه إسرائيل إزاء قضية التشكيل الحكومي النمساوي في أوائل فبراير الحالي حين سمحت لنفسها بالتدخل في الشؤون الداخلية لدولة مستقلة ذات سيادة وهي أيضا دولة محترمة اسمها النمسا وكانت حجتها التي رفعتها يومئذ ومازالت ترفعها هي الهولوكوست. الناشر يعتذر أيا كان الأمر .. فقد أعلن الناشر الألماني أنه يشعر بالأسى ويعرب عن الأسف ويتحمل كل تبعيات المسؤولية إزاء القراء أصلا عما حدث بالنسبة لـ "أكذوبة) كتاب الشذرات. وحاولت الناطقة باسم هذا الناشر الألماني أن تكيف أو تبرر خطأ الناشر الجسيم فقالت: ماذا عساك تصنع كناشر حين تصادف مؤلفا يؤكد لك أن تلك هي هويته وذلك هو تاريخ حياته, ثم يصر على هذا التأكيد .. ولكن إذا سألتمونا رأينا في الموضوع فأظن أن قرارنا بسحب الكتاب من سوق النشر والمعارض وكافة المنتديات الدولية يعبر عن رأينا بالتمام والكمال. أخيرا تبقى نقطتان: الأولى: أن المؤلف يعيش الآن في شبه عزلة وفي حالة صحية معتلة بعيدا عن الناس, فيما يشير خلطاؤه أنه مازال متمسكا بما جاء في سطور الكتاب. الثانية: أن الناشرين والمترجمين والنقاد الأمريكيين الذين زفوا الكتاب إلى القارئ الأمريكي.. وسط التهليل والتزويق, ولقد بلغ من أمر هذا التهليل أن عمد الأمريكان على طريقتهم إلى تشكيل الجمعيات والرابطات المشجعة لمثل هذه النوعية من الكتب والذكريات ومنها جمعية الأطفال من الباقين على قيد الحياة بعد الهولوكوست. وقد "نخع) الناطق باسمهم واسمه ليون ستابنسكي, وهو يهودي طبعا تصريحا نشرته نيويورك تايمز (عدد 14 أكتوبر 1999) وقال فيه: أنه مع تشككه في كتاب الشذرات إلا أن جماعته ومقرها لوس انجيلوس مازالت منقسمة على نفسها حول ما إذا كان المؤلف يقول الحق أو أنه جانب من الصواب. إلى هذا الحد يبلغ بهم فن الجدال واللجاج وتلك ـ تاريخيا ـ طبيعة اليهود.