مع كل الزخم الدعائي العالمي للمنظمات غير الحكومية الغربية وانتشارها في افريقيا وغيرها ونشاطها في توزيع الاغذية والبطاطين في معسكرات اللاجئين يبقى سؤال كبير: لماذا تقوم الاستراتيجية المشتركة لهذه المنظمات على مخاطبة (النتائج) ... لا على مخاطبة الاسباب ؟ ان من المفهوم ان تتعامل المنظمات بهمة مع الكوارث الطبيعية الفجائية ـ كالزلازل مثلاً ـ او الفتن الطارئة العارضة التي تخلف وضعاً مأساويا مؤقتا. ومفهوم ان تكون الاجراءات الاغاثية العاجلة لها الاولوية الاولى في مثل هذه الاحوال التي لا تتحمل تباطؤا من اجل تقصي جذور الاسباب الاساسية التي افرزت الكارثة. لكن غير المفهوم هو ان ينحصر نشاط المنظمات على العمل الاغاثي في مواقع حرب او فتنة طويلة المدى على مدار سنين طويلة. ولنأخذ حرب جنوب السودان مرة اخرى كمثال. لمدى 17 عاما حتى الآن تدور رحى الحرب في ذلك الجزء من العالم. ولمدى 17 عاما تمارس منظمات غربية اعمال اغاثة هناك... تنطلق فرقها من مقر رئاساتها في نيروبي المجاورة الى داخل مناطق الجنوب السوداني بالسيارات ذات الدفع الرباعي والطائرات الخفيفة من اجل توزيع اغذية وادوية لاغاثة منكوبي الحرب من المدنيين. لكن لم نسمع يوما واحدا ان (كير) او (ويرلد فيجن) او (اوكسفام) دعت الحكومات الغربية الى التحرك لانهاء الحرب واحلال السلام. وهنا تنشأ الريبة. فالعمل الاغاثي هو مجرد تغطية للمهام الحقيقة غير المعلنة. وبالنسبة الى جنوب السودان فان ملخص المهام هو الاجندة الامريكية التي تقضي بألا تنتهي الحرب الا بانتصار مدوٍ لقوات حركة قرنق وهزيمة فاضحة لقوات الحكومة السودانية... والا فان الحرب يجب ان تستمر. ولكن لننظر إلى المسألة في اطارها الاعرض على صعيد العالم الثالث اجمالا. لقد اخذت ظاهرة (المنظمات غير الحكومية) تبرز بشكل لافت ابتداء من اوائل ثمانينيات القرن المنصرم. وليس من قبيل المصادفة ان بروزها الواضح كظاهرة تزامن مع بداية تبلور ما يطلق عليه (ازمة ديون العالم الثالث) . وكما نعلم ان الاعباء المالية الاستنزافية للديون اتخذت ابعادا اسطورية. فالدول المدينة تجبر على دفع كل ما تحصل عليه من دخل سنوي بالنقد الاجنبي لصالح الدائنين. واكبر الدائنين بنوك امريكية. وكما هو محتم فان هذا الاستنزاف اخذ يفرز كوارث غير مسبوقة في الدول النامية: انهيار مؤسسات العلاج ومؤسسات التعليم وانتشار المجاعات وسوء التغذية والاوبئة مع انتشار البطالة... ثم انهيار القوائم الرئيسية للاقتصاد بما في ذلك القطاع الزراعي. ومع تنامي هذه الظاهرة اخذت الولايات المتحدة والحكومات والمؤسسات الغربية الاخرى تستشعر الحرج. فهذه كوارث انسانية فاضحة... والمسئول عنها هو جشع الدائنين الاغنياء الذين لا يرد على اجندتهم إطلاقا اعفاء الدول الفقيرة من عبء المديونية. هنا انبعثت فكرة المنظمات (الانسانية) غير الحكومية. فالنشاطات (الانسانية) الاغاثية وما يصحبها من حملات دعائية متواصلة التواتر تعطي غطاء جيدا لاخفاء السبب الجذري لكوارث افريقيا والعالم الثالث, خاصة في مجال المجاعات والفتن الدموية القبلية التي تندلع اصلا بسبب الصراع على شح الموارد المتاحة مع طلعات ونزلات فرق الاغاثة, واخبارها المتلفزة ينصرف الانتباه العام العالمي عن جريمة المديونية... فينتشر بالتدرج انطباع عالمي بان مجاعات افريقيا وكوارثها الاخرى قدر محتوم لا علاقة للغرب به. وعندما تربط ازمة الديون بالمجاعات والأوئبة والبطالة والفتن الدموية فانك تحصل على صورة متكاملة ذات مغزى محدد عنوانها (الاستعمار الانساني) الحديث.