منذ وصول الرئيس عبدالعزيز بوتفليقة الى السلطة في ابريل 1999 تغير الخطاب السياسي الجزائري الرسمي والشعبية فمن نظر كانت الى حد ما متحفظة تجاه دول الخليج, الى رهان على هذه الاخيرة للمساهمة في حل الازمة الجزائرية, خصوصا في شقها الاقتصادي, وخلال الشهور العشرة الماضية شهدت الجزائر زيارات متواصلة من قادة خليجيين ابدوا استعدادهم ليس فقط لدعم الجزائر, وانما لدعم علاقاتها في محيطها العربي, والواقع ان تلك الزيارات مقارنة مع مثيلتها من قادة دول اخرى كشفت عن صلابة الموقف العربي وبالذات الخليجي, وان هناك ملامح تغيير تبدو جلية تتكرس يوما بعد يوم في محاولة جادة لتغيير الاوضاع عل الصعيد المحلي في الجزائر, وعلى الصعيد العربي القومي وهو الامر الذي بات يثير انتباه المراقبين ويتوقعون ان تتوسع تلك العلاقات لتشمل كل المجالات. واذا كانت العلاقات العربية ينظر اليها تراجعا او تقدما, تعاونا او تصادما من منطلق تحسن العلاقات بين القيادات فإن طبيعة العلاقة الان قد تغيرت عل نحو صار يرتبط بالمصالح المشتركة اكثر من علاقات الاخوة, وهذه تشكل خطرا على الجبهات المختلفة للامة, على اعتبار ان هذه الاخيرة لاتزال تراهن على وجودها وبقائها في المحيط الدولي في ظل التكتلات القوية, لكن تظل العلاقة المميزة بين الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة ورئيس دولة الامارات صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل تضع في الاولوية مسألة الاخوة, وما يتبعها بعد ذلك من نشاطات اخرى من بينها النشاط في المجال الاقتصادي. ويمكن القول ان التصريحات التي ادلى بها بوتفليقة بعد شهور من وصوله للحكم, حين زار الرئيس المصري حسني مبارك الجزائر محاولا احداث تقارب وإزالة التوتر بين الجزائر وفرنسا مثلت اعترافا ليس على اساس العلاقة الاخوية المتميزة بين الرئيس بوتفليقة وصاحب السمو الشيخ زايد, وانما لتأكيد الموقف العربي, لهذا الاخير من القضايا العربية المصيرية سواء تلك المتعلقة بالدعوة الى عقد قمة عربية, او الاخرى الخاصة بتجاوز الوضع الحالي, او حتى تلك الخاصة بالدعوة الى مساندة العراق, والتي لاتحظى بالتأييد من كل الاطراف العربية. والواقع ان العلاقات التي بدأت تظهر بين الجزائر والامارات لها جذورها القديمة,ولكنها صارت الان اكثر وضوحا, وهي تتجاوز فيما يرى المراقبون التعاون الثنائي الى التعاون المشترك بين الجزائر ودول الخليج. واذا كانت الجزائر في الوقت الراهن تحاول الخروج من ازمتها خصوصا في شقها الامني, فإن تداعيات الازمة على مستوى الجبهة الاجتماعية تتطلب تطوير الاقتصاد الجزائري بدعم عربي ودولي, لان التوترات الاجتماعية المنتظرة مالم تتم مواجهتها لمشاريع عاجلة ستؤدي الى نوع من العنف الاجتماعي الذي لاصلة له بالصراع السياسي, وانما للمطالبة بحل للمشكلات المجتمعية ثم ان الجزائر تملك من الادوات والامكانيات التي تؤهلها من الخروج من هذه الازمة اذا ما توصلت الى اتفاقات على الصعيد الخليجي تدعم اصلاحاتها القائمة, وتساهم في ابعاد التوتر الاجتماعي العام. يلاحظ ان زيارة بوتفليقة الى السعودية, ثم الى الامارات تعتبر متممة للدور الخليجي الذي اصبح واضحا في الجزائر وفي منطقة المغرب العربي عموما, كما انها تناولت جملة من القضايا اهمها البحث في ملف العلاقات الجزائرية المغربية هذا الملف الذي كان محل اهتمام من السعودية ومن الامارات. وتتحدث مصادر جزائرية عن مساهمة اماراتية واضحة في هذا الموضوع, ما يؤكد ذلك الرسالة الاخيرة التي تلقاها صاحب السمو الشيخ زايد يوم السبت الماضي 12/2/2000 من العاهل المغربي محمد السادس والتي نقلها وزير الشبيبة المغربي, وربط المراقبون ذلك بالزيارة التي قام بها الملك المغربي لـ (ابوظبي) في بداية الشهر الماضي واجتمع فيها مع صاحب السمو الشيخ زايد وبحث فيها عددا من القضايا العربية ومنها عودة العلاقات بين الجزائر والمغرب. ومع ان المسئولين الجزائريين ومن بينهم بوتفليقة قد صرحوا عدة مرات ان العلاقات الجزائرية ـ المغربية لا تحتاج الى وساطة وانها ترتبط بما تسميه الجزائر المقاربة الشاملة لحل كل القضايا العالقة فإن الدبلوماسية الخليجية ممثلة في السعودية والامارات عملت على التقريب بين البلدين, من منطلق التجربة السعودية السابقة التي استطاعت ان تجمع بين الرئيس الشاذلي بن جديد والملك الراحل الحسن الثاني وكانت نتيجتها ان عادت العلاقات بين البلدين وتوجت بقيام الاتحاد المغاربي. ويذهب المراقبون الى ان العلاقة المتميزة بين المسئولين الاماراتيين وعلى رأسهم صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان وبين الرئيس بوتفليقة ستساعد على اضفاء نوع من الحيوية على العلاقات الخليجية الجزائرية, مدعمة بذلك مساعي بوتفليقة لاحلال السلم في بلاده, ودعمه للمساهمة في حل القضايا العربية المشتركة ومنها عقد القمة العربية يتم خلالها مناقشة معظم المشكلات العالقة والتي صارت ذات تأثير سلبي على الوضع العربي العام. على العموم فإن زيارة بوتفليقة وبغض النظر عن نتائجها بالنسبة للبلدين, فإنها تتعدى الاطار الثنائي لتشمل الدول العربية ككل من ناحية تجسيد العلاقة وديمومتها على الصعيد الاخوي الذي ساعد على ظهور علاقة متميزة ليعتقد البعض انها ستكون نموذجا للدول العربية مستقبلا بناء على نظرة مستقبلية تجمع بين شمولية الرؤية وخصوصية العلاقة, وتلك ان حدثت ستنقل بلا ريب السياسة العربية في اطارها الرسمي والشعبي من مجرد تغير وتكتيك آني الى استراتيجية عامة تتجاوز المحلي والمحيط والخصوصي الى القومي والعام والدولي.